المملكة والحمد لله كريمة بقادتها وشعبها، سباقة للبذل والعطاء، خيرها طال القاصي والداني من أنظمة وشعوب وبلا منة، من منطلق عربي إسلامي إنساني، وشريحة من المجتمع هم المتقاعدون من أبنائها الذين هم آباؤنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا، يتطلعون للحصول على المزيد من الرعاية والعناية، وحق لهؤلاء أن يكون لهم حظ وافر من هذا العطاء، كيف نذكر محاسنهم ونوفيهم حقهم ونكافئهم؟
منهم من أدى الخدمة بهمة دون كلل أو ملل في مواقع أمنية وعسكرية ومدنية، ورابط على خط الدفاع الأول مسهماً في استقرار أمن الوطن وتنميته وإنعاش اقتصاده وقاوم العديد من المغريات، متصديا للجريمة والفساد من سرقة ورشوة وتزوير وتهريب وتفحيط وإرهاب ومخدرات، معرضاً نفسه وأسرته للمخاطر. ومنهم من حمل حقيبة أمنية ودبلوماسية وعدلية واقتصادية، محتفظاً بمخزون من المعلومات المهمة والخبرات والتجارب، ومنهم من هو مستحق للترقية فأحيل إلى التقاعد في سن مبكرة لعدم وجود شواغر وهو في وضع يمكنه من تقديم المزيد من العطاء فخسر جزءا كبيراً من مرتبه. ومنهم من أراد تنمية مدخراته وهو على رأس العمل أو بعد التقاعد من خلال مساهمات عقارية ومضاربات سهمية فلم يوفق في استعادة رأس ماله في الأولى، ولحقه الدين في الثانية، فيضطر لبيع منزله لسداد ما عليه من ديون، ليتحول بعد ذلك إلى مستأجر.
ومنهم من تعرض للنقل من منطقة لأخرى بغير رغبته، مما أدى إلى إلحاق الضرر به وبأسرته جراء النقل ففضل التقاعد المبكر لظروفه الأسرية والمادية. وينتهي الأمر والعلاقة معهم بمجرد صدور قرار الإحالة بعد عقود من الخدمة بحصول بعض المتقاعدين على مرتب تقاعدي (1900) ريال، ومنهم المتعففون وذوو الحاجة، فيلجأ المتقاعد للقضاء للمطالبة بحقوقه، ويحرم أفراد أسرته من حقهم بالإرث الشرعي من التقاعد بعد مماته نتيجة لاجتهادات شخصية أدت إلى تعطيلها.
العاملون على نظام المستخدمين من المواطنين يقاعدون وهم في وضع يمكنهم من القدرة على أداء العمل الحكومي، فلماذا لا يستفاد منهم في المدارس والحدائق ومواقف السيارات، وفي المطارات والجامعات والمساجد والحرمين والوزارات والقصور والدوائر الحكومية؟ فقد كان من يقوم بخدمتها ويعتني بنظافتها وحراستها إلى عهد قريب مواطنين، ولذا فهم أحق وأولى وأقدر على العناية بها، وأعرف بالمواقع والأشخاص ومناولة المواد والمستندات داخل الوزارات والإدارات الحكومية، على أن يتم توفير سكن مناسب مجاور لهذه المنشآت، كما هو في المساجد، فهناك أعمال وخدمات لا تتطلب الانتظام في الدوام وإنما إنجاز العمل في أي وقت.
عمال أجانب يجري توظيفهم في عقود حكومية، يستقدمون ويمكنون من أعمال وهم حديثو خبرة وعديمو معرفة بطبيعة العمل ليشغلوا وظائف كان يؤديها مواطنون قبل التقاعد بإمكانهم الاستمرار لو أتيح لهم ذلك بالتعاقد، فكما هو مفيد للدولة في توفير بعض التكاليف فإنه يشعرهم بالأهمية ويحفزهم على العطاء، وبذلك كفينا البعض اللجوء لطلب إعانة أو مساعدة من الضمان الاجتماعي أو الجمعيات الخيرية وغيرها.
السن ليست هي المعيار الوحيد الدال على القدرة والأداء، كما هي الشهادة على الكفاءة حسب (القياس) المعمول به.
هناك أصحاب مراتب ورتب عليا في السلك المدني والعسكري والقضائي تجاوزوا السن النظامية للتقاعد وما زالوا على رأس العمل الأهلي والحكومي، إما تعاقداً أو تمديداً أو ترقية لمراتب لا تخضع لسن التقاعد نظراً لقدرتهم على العطاء وتحمل المسؤولية.
وهاهم أعضاء في الشورى من المتقاعدين يواصلون تأدية دورهم الوطني، في حين نرى آخرين أصحاب شهادات ورتب عليا يظل دور البعض منهم على شروحات روتينية وإحالة معاملات دون رأي أو موقف.
المتقاعد لا يقبله حافز ولا تقبله البنوك وشركات المتاجرة والتأمين، وحتى عند الرغبة في شراء مسكن يؤويه وأسرته بالتقسيط أو التأجير المنتهي بالتمليك فإنها ترفضه. أما الضمان الاجتماعي فبعد تحر قد تطول مدته للتعرف على مدى أحقيته لمرتب أو مساعدة فقد يمنح التكملة (1.100) ريال!
ولكي نحفظ له الذكر الحسن بعد مماته، والعيش الكريم لأفراد أسرته من بعده على أرض وطنه، فإن الأمر يتطلب دراسة الوضع، مع الأخذ بالاعتبار ما يلي:
- -1 القيام بمسح اجتماعي سنوي للتعرف على أوضاع المتقاعدين وأسرهم المادية والصحية.
- -2 من المحالين للتقاعد من لديهم القدرة على العمل بدنياً والعطاء ذهنياً وفكرياً كالأطباء والمهندسين وأكاديميي الجامعات، والوطن يعاني من شح في تلك الكوادر.
- -3 اعتماد آلية يتم بموجبها تشغيل المتقاعدين القادرين الراغبين ولو بدوام جزئي، حيث بعض الأعمال والمواقع لا تتطلب التفرغ الكامل للعمل، ولا وقتا محددا لإنجازها (دوام جزئى).
- -4 استطلاع آرائهم حول مشاريع بعض القرارات قبل اعتمادها، وذلك من قبيل الاستئناس بالرأي بما لهم من سابق خبرة ودراية.
- -5 إعفاء المتقاعدين من بعض الرسوم الحكومية وخاصة ذوي المرتبات المتدنية.
- -6 أهمية شمول المتقاعدين بالتأمين الصحي.
- -7 اعتماد علاوة سنوية لمواجهة متطلبات أعباء الحياة وكبح جماح الأسعار والتضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.
- -8 استحداث إدارة للتواصل مع المتقاعدين وأسرهم في الجهات ذات الكثافة، كالتعليم والصحة والقطاعات العسكرية والأمنية، وتعيين ضابط اتصال في الإدارة الأقل عدداً.
- -9 اعتماد حد أدنى يتناسب مع تكاليف المعيشة كمرتب تقاعدي، على أن تتحمل وزارة المالية فرق الزيادة على ما يدفعه صندوقا المعاشات والتأمينات.
- -10 منح المتقاعدين أولوية عند توزيع الوحدة السكنية لمن لم يمتلك بعد.
- -11 النظر في إمكانية سداد ديون غير القادرين في حدود سقف معين، فمنهم من هو سجين في إيجار مسكنه أو قسط سيارته أو تكاليف حادث مروري، وغير ذلك من الظروف الطارئة.
- -12 تشكيل فريق عمل من وزارات الشؤون الاجتماعية والعمل والخدمة المدنية، وبمشاركة جمعية المتقاعدين ولجنة رعاية السجناء وحماية المستهلك، لمناقشة أوضاع المتقاعدين وأسرهم.
أليس غريباً، بل أليس عيباً أن النظام قد ألزم بالتأمين الصحي والمخاطر على العمالة الأجنبية كشرط لاستخراج الإقامة، في حين أن (ابن الوطن)، حامل الهوية الوطنية، بعد أن أمضى عمره في خدمة وطنه ينتظر منذ عشر سنوات وما زال الحديث يدور بهذا الشأن؟!
التغيرات التي طرأت على متطلبات الحياة اليومية، ومنها التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة سنة بعد أخرى، تتطلب المراجعة والأخذ في الاعتبار، وأن يصطف المتقاعدون بعد هذه الخدمة وهذه السن في طوابير للحصول على خدمات حكومية كالعلاج والسفر والاستقدام وغيرها، فذلك أمر مخجل، وحتى نكافئ المتقاعدين ونوفيهم حقهم المادي والمعنوي، وليعيش المتقاعد ما بقي من عمره عزيزاً كريماً دون عوز أو فاقة.
وهل تختزل خدمة المتقاعد في حفل تكريم قد يقام للبعض في فندق أو استراحة، وتعد فيه وليمة جمعت تكاليفها من زملاء العمل..أليس ذلك عقابا بلا ذنب قد اقترف؟ إن ذلك لأمر يدعو للأسف!

