أعتقد أننا من أكثر الشعوب ترديداً، وحفظاً عن ظهر قلب للحكمة المشهورة التي تقول «الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية»، ولكن للأسف معرفتنا وفهمنا لهذه الحكمةلا تتجاوز سوى ترديدها قبل أي نقاش أو مناظرة، وفي نهاية التحاور تحدث أمور
لا تمت للود المزعوم والاحترام بأي صلة، أقلها الاتهام بالزندقة و»حز» الرؤوس ورميها للكلاب كما قال أحدهم مؤخراً لمجرد أن أحدهم خالف رأيه، الذي بكل تأكيد يقبل الأخذ والرد، ولكن يبدو أن ثقافة «إن لم تكن معي فأنت ضدي»، هي السائدة على كل حواراتنا مهما تصنعنا بغير ذلك.
حقيقة لا أعلم ما هو السبب في أن اختلافاتنا حول أي قضية لا تنتهي -غالباً- إلا بشتائم وخصومة بين الطرفين المتحاورين، ويشهد على هذا المناظرات التليفزيونية -إن جازت تسميتها بالمناظرات- أو ساحات تويتر، والتي وصل من خلالها الاختلاف في الآراء إلى إنشاء الهاشتاقات للنيل من الآراء المخالفة، والتي لا ذنب لأصحابها إلا مجرد أنهم خالفوا الرأي السائد، وكأن أراءهم وأفكارهم هي أمر منزل من السماء لا نقاش ولا جدال فيها.
لا يخفى على أحد منكم، أنه من الأمور الطبيعية التي تحدث عند طرح قضية ما - ونظراً لـلاختلاف بين البشر في وعيهم وثقافتهم وتجاربهم في الحياة- أن يكون لكل أحدٍ منا رأيه الخاص به، تشكل حسب اجتهاده، وبغض النظر عن مدى صحته من عدمها، إلا أنه يجب علينا احترام هذا الرأي مهما كان مخالفاً، والخلاف والاختلاف هو على الفكرة ذاتها، بعيداً عن شخصية الموضوع أو الدخول في مهاترات مع صاحبها، كما يجب الالتزام بالموضوعية قدر الإمكان بعيداً عن التطرف وفرض الرأي الخاص وتعميمه لكي يكون هو الصحيح وربما في الواقع هو غير ذلك.
لنتفق بأنه ليس هناك على وجه هذه الأرض رجل يعرف كل شيء عن مختلف العلوم، ولا يوجد هناك من يقول إنه أعلم الناس مهما بلغ من العلم والمعرفة بشتى أنواعها، لذلك دعونا نقبل الآراء المخالفة مهما تأكدنا ببعدها عن الواقع والمنطقية، فـالآراء بكثرتها وتعددها تتيح لنا فرصة اختيار ما هو الأصح منها، والرأي المخالف لرأيك
لا يموت برفع الصوت أو بالإسفاف والتقليل منه، بل بمقارعة الحجة بالحجة.