تجنّى على الشعر أرهاط كُثر ممن لا شغلَ لهم إلاّه... انظرْ عند كبيرهم أدونيس في خريف عمره إلى سيول هذياناته الجارفة ومواقفه الرعناء في الفكر والسياسة، تختلط هاته بتلك، فيطلع علينا جاهرا بمثل ما تسرب في ذاكرتي: «سنقولُ البساطة: في الكونِ شيءٌ يسمّى الحضور وشيءٌ يسمّى الغيابَ نقول الحقيقةَ: نحنُ الغياب/ لم تلدنا سماءٌ لم يلدنا ترّابْ/ إنّنا زبدٌ يتبخّرُ من نهرِ الكلماتِ/ صدأٌ في السماءِ وأفلاكها صدأٌ في الحياةِ...» ثم انظر في يقينه حتى النخاع بكونه الجوهر الفرد وربَّ الخصب والإبداع، لا شريكَ له... نرجسيته لا مثيل لها: ضخمة، كثيفة، ضاجّة وصادمة! وهكذا تراه وتسمعه منفردا يخاطب الكون والخلق والأمم وعناصر الدنيا كلها، ويجول بأناه ويصول معلنا: «قادرٌ أن أغيِّرَ: لغمُ الحضارة - هذا هو اسمي»، فيشرّع بوثوقية قطعية مقررة أن لا منجاة ولا خلاص إلا بالتبني الحصري لنسقيْ اللائكية والحداثة، محوّلا كليهما إلى ديانة، وأيِّ ديانة!... ثم شاهده في يوتيوب كيف يبشر بانقراض العرب وحضارتهم (مستثنيا طائفته العلوية)، مع أنه لا يربأ بنفسه عن تحصيل هباتهم وجوائزهم، ومثل هذا الهراء التحقيري السخيف لم يفه به حتى أشرس الأعداء وأخطرهم، من صهاينة وغلاة اليمين الفاشي، ويُستبعد أن يروق مؤسسة جائزة نوبل نفسها اللي ما انفكَّ جاهدا لاهثا يتحبب إليها ويتزلف بشتى الرسائل والوسائل... ثم انظره أيضا كيف يجهر بعزوفه عن قراءة الروائيين المحدثين جميعهم، ولا يعترف إلا بشاعرين أو ثلاثة هم على أي حال من درجة متواضعة بل أقل، وسوى ذلك من الترهات الهوجاء عنده كثيرة، هذا فيما زادُ الشيخ المعرفيّ بالغ الهشاشة وتمكّنه النظري، دع عنك الفلسفي، موغل في الهزال والتدني؛ وهذا العجز المضاعف البيِّن لا يثنيه عن التشدق بالشعارات الهجينة وجلد ذات أمة برمتها، فيقول صاحبنا عن الربيع العربي إنه «ثورة المساجد»، في ديوانه «الكتاب»المكتظ بالصور والمجازات الطائشة المعربدة، يختزل تاريخَ هذه الأمة في كونه مجرد أنهار دماء تجري، وعهود زاخرة بالظلمات والقهر والطغيان... وقد حقَّ الراحل سهيل إدريس حين نفر منه وامتنع عن نشره...
الشعر؟
بنسالم حميش2 دقائق للقراءة

حجم الخط
