إذا كان للتنمية (قلب) يضخ في شرايينها وكيانها الحياة، فإن (أرامكو) هي قلب التنمية في بلادنا، الذي أمد التنمية بالحياة والامتداد والبقاء ثمانين عاماً، من عمر هذا الكيان الاقتصادي العظيم، الذي يتمدد شامخاً جليلاً شرق الوطن.
مسيرة حياة وكينونة عالم من التطلعات والأحلام، هي قصة الشركة، من فكرة وإمكان، إلى تحقق ووجود؛ ولادة فشراكة تدعم وتغذي المولود الفتي قبل ثمانين عاماً، إلى فتوة وحيوية فاستقلال بكيانها الاعتباري المهيب، حيث عالم تكوَّن على أسس من المعرفة والتنظيم والاستراتيجيات والاستشرافات الواعية، ليكون ثمة مجتمع عصري نموذجي يقف فيه الإنسان إلى جانب الآلة والمكان والثروة. مجتمع ظل بمعزل عن محيطه القريب إلا بوصفه خزان زيت كبير وعنصر اقتصاد محوري تدور حوله وتتغذى منه وتحيا التنمية في بلادنا. مجتمع معزول عن محيطه الجغرافي، لاختلاف نظم الحياة القائمة فيه، حيث النظام والالتزام الصارم بقيم العمل والإنتاج، ولم يكن ثمة صلات تفاعلية، بل تلامس حذر في المستوى الثقافي والاجتماعي، ومن ثم لم تؤثر أنماط قيم العمل المتقدمة والمعيارية في مجتمع أرامكو بمحيطها الوطني.
ولعل نظرة عابرة على المؤسسة البيروقراطية الضخمة في بلادنا وأذرعتها من الوزارات والمؤسسات تعكس المفارقة التي تعكس طبيعة علاقة افتراضية كتلك.
شكَّل كيان أرامكو منعطفاً تاريخياً ليس في بلادنا فحسب، بل في العالم بأجمعه، الذي يرقب نشاط هذا الكيان، ويرسم خططه الاقتصادية على مخرجاته.
أما في بلادنا فكانت أرامكو رافعة التنمية، تغذيها وتمد من نطاقاتها ومجالاتها الحيوية، فصارت الشركة تجربة عالمية في الإدارة العصرية، واستثمار الموارد وتوسيع قاعدتها وإثراء مداخيلها باكتشافاتها المتوالية، وضمان مستقبل التنمية والأجيال على حد سواء، برؤى تخطيطية وأطر تنظيمية، وأدوات تنفيذية تخلصت مبكراً من وعثاء الأفكار، ووصايات غير الأكفاء، فصانت ولادات متعثرة ومسيرات فاترة للكهرباء وسكة الحديد، ومنحتها شيئاً من كيمياء الفكر الإداري المبدع والخلاق والذهنية التنظيمية السوية.
وحفرت بأياديها المخلصة والنقية-من شوائب الاكتساب غير المشروع، ونهم الاستغلال الوظيفي- قواعد لأذرعتها الاقتصادية العظيمة، وأدركت مبكراً ضرورة أن يكون لها نافذة ثقافية للتواصل والتفاعل المعرفي والمعلوماتي الرصين، فكانت (القافلة) جناحها الناعم الصقيل، الذي تجاوز عثرات إصداراتنا الصحفية المتخصصة، فكانت (القافلة) واحدة من أعرق الدوريات الثقافية والأدبية الجادة برؤية حداثية أصيلة، وإدارة مسؤولة سارت (القافلة) بها لتصبح من أهم مصادر الأدب، والتعريف برموزه وإطلاق نماذجه الإبداعية. ولأن مسيرة حياة كحياة أرامكو تستحق الرصد والتوثيق، فقد تولى ذلك بكل فخر المؤرخ سكوت مكموري، ودوَّن قصة حياتها في مجلدين يحويان قصة كيان يغذي حياتنا بالحياة، ويعكس سيرة الطموحات والأحلام، عندما تزهر وجوداً يمنح الإنسان والمكان قيمة عظمى اسمها الحياة.
وما كان أحوج مؤسساتنا الوطنية الوزارية، وما يماثلها أو يتفرع عنها تنظيمياً إلى الاستفادة من تجربة أرامكو في بناء الاستراتيجيات وتحديد الأولويات، وتقدير مسارات الأداء والتحوط للاحتمالات، وتأسيس قاعدة نظم إدارية ومناهج عمل مؤسسي علمي، يحقق الالتزام ويحمي الأداء من الأخطاء، حتى تتجنب عثراتها المتلاحقة وإخفاقاتها المتكررة وخدماتها البائسة.
تخلصت أرامكو مبكراً من تسلط الأمزجة الفردية وفرقة الرؤى، ووجل الإقدام، واتحدت نوايا وعقول المؤسسين الأُول على استبصار موقع متقدم على خارطة العالم الأول، واستشرفت ببصيرة وصدق وإيمان موقع خطاها بنور العلم، والعلم وحده، ومضاهاة التجارب المتقدمة، وظلت بمنأى عن تدخلات المثبطين ووصايات المعطلين.
أرامكو التي لم يكتب عنها سطر واحد، في مقرر تعليمي واحد، في مرحلة تعليمية واحدة، وظلت في المخيلة الجمعية الوطنية أشبه بقطعة أثيرة من النور والغموض.
وبعد ثمانين عاماً من عمرها، تدخل أرامكو ساحة الإنشاءات الوطنية ومعترك التنمية والمشاريع العظمى، التي لو تُركت لغيرها، فلن تجد إلا العثرات والإخفاقات، فكانت أرامكو المعلِّم الكبير، فقدمت دروساً لوزاراتنا ولعقليات إدارة المشاريع لدينا، حيث ثمة معلَم اسمه جامعة الملك عبدالله، ومدينة الملك عبدالله الرياضية في جدة، ومن خلالهما قدمت أرامكو نموذجاً للإنجاز عندما يديره الضمير الحي والإرادة المسؤولة، ثم شرعت ترفع عن كاهل المشاريع الصحية في جدة ومدينة جازان الاقتصادية تداعيات التثاؤب المزمن، الذي تعاني منه جل المشاريع المماثلة، والتلاوم بين المنفذين والمخططين حول مسؤولية التأخير والإخفاقات، التي تسامت أرامكو فوقها، وقدمت درساً في الالتزام والإيمان بقيمة العمل ومراعاة الزمن، والمواطن واحتياجاته والواجب الوطني وحجم ومعنى إدراكه.
أرامكو...
محمد الدبيسي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
