مع تقدم قوى الأمن العراقية المتأخر للرد على الهجوم الذي قام به تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) في شمال العراق، شجع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي المتطوعين على حمل السلاح أيضاً. على مدى الأيام القليلة الماضية، شهدت مراكز التطوع العسكرية طوابير من الشباب الذين جاؤوا للتطوع للدفاع عن بغداد من تقدم قوات داعش.
من السهل رؤية كيف أن الحكومة العراقية تستخدم الدعاية والإعلان عند دعوة المواطنين بشكل حماسي كأسلوب لتحويل انتباه المواطنين عن فشل الجيش العراقي النظامي في القيام بمهمته في صد الهجوم على الموصل وغيرها من المناطق العراقية. ولكن في الواقع، آخر ما يحتاجه العراق الآن هو تجنيد المزيد من الرجال في الجيش، وذلك لأسباب عديدة.
بدايةً، هناك نحو مليون جندي في الجيش العراقي الحالي. العدد الإجمالي للرجال الذين يحملون السلاح في البلد يقدر بنحو 900.000، وذلك إذا أخذنا بعين الاعتبار الجيش، والشرطة، والأجهزة الأمنية السرية، والعديد من «قوى الحماية» التي أسستها كثير من الجهات الحكومية، بعض هذه القوى تمارس دورها وكأنها ميليشيا خاصة.
في عام 2007، على سبيل المثال، كان عدد عناصر الميليشيا العسكرية الذين كانوا يعملون لصالح وزارة الصحة نحو 12.000 مسلح – وهذا عدد كبير بالنسبة لمجموعة يفترض أن مهمتهم هي حماية المستشفيات. وليس من المفاجئ ما قيل عن تورط كثير منهم في فرق الموت الشيعية، ووصل الأمر لدرجة أن كثيرا من المواطنين السنة كانوا يخافون من الذهاب إلى المستشفيات للمعالجة.
بعبارة أخرى، هناك حاليا بالفعل كثير من المسلحين في شتى أنحاء العراق، أما الجيش العراقي النظامي المحترف فهو لا يشكل أكثر من 10% من المليون مسلح الموجودين في البلد، ولذلك فإن قدرته على منع الحرب الأهلية في حال حدوثها شبه معدومة.
ثانيا، إذا كانت هذه القوة الكبيرة من المسلحين العراقيين المدربين الموجودين حاليا لا تستطيع أن تصد هجوم داعش في مواجهة قتالية، فماذا يستطيع هؤلاء المتطوعون الذين سيذهبون من مراكز التطوع إلى ساحات القتال مباشرة أن يفعلوا؟ غالبيتهم، في رأيي، سيتبخرون في أول إشارة لوجود خطر، تماما كما فعل الجيش العراقي نفسه. وما هو أكثر إثارة للقلق، فإن الأقلية الذين يستطيعون القتال فعلا سيفعلون ذلك للأسباب الخاطئة، حيث إنهم يرون هذه فرصة لتصفية حسابات طائفية مع المسلحين السنة في داعش. بالفعل، التقارير الواردة من كثير من مراكز التجنيد تبين غالبية الذين يتطوعون هم من الشيعة.
الأمر المحزن هو أن هذا أمر آخر يمكن تجنبه تماما من قبل الحكومة العراقية التي، سواء عن قصد أو غير قصد، تلعب وفقاً للأجندة الطائفية. كما سبق وقلت، كثيرون في مناطق السنة في العراق يعتبرون الجيش العراقي أداة في يد حكومة نوري المالكي الشيعية. وفي واقع الأمر فإن كثيرا من وحدات هذا الجيش ترفع علنا رايات شيعية على العربات العسكرية وفي حواجز التفتيش العسكرية، وهذا يعتبر تصرفا استفزازيا عندما يحدث في المناطق السنية بشكل خاص. هذا شيء يجب أن لا يفعله جيش محترف في بلد يحوي طوائف متعددة. كما أن هذا التصرف يساهم في تفسير كراهية الكثيرين من سنة العراق في المنطقة الشمالية للجيش العراقي الذي يفترض أن يكون جيشا وطنيا، لدرجة أن بعضهم أبدى ترحيبه بدخول داعش إلى المنطقة.
لكن هذا ليس خطأ الجيش العراقي وحده. لنتذكر أن بريطانيا وأمريكا دربتا قوات الأمن العراقية على مدى عشر سنوات، وأعادتا تشكيلها تقريبا من الصفر بعد سقوط نظام صدام حسين، وبعد ذلك استمر البلدان في مراقبة أداء قوات الأمن العراقية عبر أكاديميات عسكرية مثل أكاديمية «ساندهيرست في الرمال» في منطقة الرستمية في ضواحي بغداد. حتى هذا اليوم، هناك تنسيق بين وزارة الدفاع البريطانية وبين الجيش العراقي لتدريب نخبة قواته في أكاديمية «ساندهيرست» الحقيقية الشهيرة في بريطانيا. ولا يتم تدريب هؤلاء على إطلاق النار فقط، بل يتلقون تدريبات أيضا في كيفية الفوز بقلوب وعقول الناس، بما في ذلك أهمية الابتعاد عن الممارسات الطائفية.
لكن كل هذه الخبرة العسكرية تصبح ذات مردود سلبي إذا كان الجيش العراقي يخضع لقيادة لا تعرف كيف تستخدمه بشكل مسؤول. لذلك إذا كانت أمريكا وبريطانيا ستساعدان العراق على الخروج من ورطته الحالية، سواء كان ذلك عن طريق ضربات جوية أو بشكل آخر، على هاتين الدولتين أن تستخدما نفوذهما للإصرار على أن تقوم الحكومة العراقية بإصلاحات حقيقية في القوى الأمنية.
يجب تقليص عدد المسلحين في القوى الأمنية بشكل كبير. يجب منع رفع الرموز الدينية. ومنع التجنيد بطريقة يزيد فيها عدد المسلحين في بلد يحوي الكثير منهم بالفعل.
دعوة المالكي لحمل السلاح ستؤجج نيران الطائفية
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
