يرى بعض الباحثين أن الكون قائم على مبدأ يُدعى مبدأ الثنائية، ونعني بالثنائية أي ثنائية، الأنثى والذكر، السماء والأرض، الإنسان والكون، الخير والشر، الظلام والنور، الشمس والقمر ...الخ. تتجلى هذه الثنائيات على مستويات متعددة منها مثلا على مستوى المنظومات المعرفية (مجهول ومعلوم - نسبي ومطلق - غيب وعلم ) وأيضاً في المنظومات الأخلاقية (خير وشر) والجمالية (جمال وقبح) هذا المبدأ، والذي أطلق عليه الدكتور المسيري - رحمه الله - الثنائية الفضفاضة، يؤكد على أن هذه الثنائيات تختلف وتتكامل مع احتفاظ كل منهما بخصائصه المميزة. و يؤكد أيضاً على وجود مسافة تتيح لكل منهما التحرك بحرية دون التدخل في خصائص الآخر أو التعدي على فضائه الوجودي. وداخل المنظومة الكونية تتكامل هذه الثنائيات من حيث إن كلا منهما هو بالضرورة مكمل للآخر غير قادر على الوجود بدون وجود الآخر. ونحن في هذا السياق لا نزعم صحة أو خطأ هذه النظرية بقدر ما نود أن نستخدمها لفهم العلاقة بين ثنائية البشرية، المرأة والرجل.
وحين تتبين لنا أبعاد هذه الثنائيات ونحاول تطبيقها في علاقة الرجل والمرأة، نستطيع أن نخلص إلى أن ثنائية الرجل والمرأة هي ثنائية متباينة تتكامل في اختلافها ولا تتطابق في وظائفها. فكلاهما يختلف عن الآخر في خلقته وفي تكوينه النفسي، وكلاهما ضروري لبقاء الآخر. كما أن احترام خصوصية كل منهما أمر مؤكد وحق مشروع لكل منهما. تُعرف هذه المسافة اجتماعياً بالحقوق والواجبات، يترجمها المجتمع من منظومته المعرفية إلى سلوك يومي يمارسه أفراد المجتمع على اختلاف فئاته وطبقاته. كما أن المنظومة المعرفية تتمثل في الأساطير والحكايات والأغاني الشعبية والفنون والأدب، وفي عصرنا الحالي فهي تتمثل أيضا في المؤسسات التعليمية والإعلام والثقافة وكل ما يُنشر من مجلات وصُحف ..الخ. نحن إذن من نُشكّل هذه العلاقات الإنسانية ونحن من نرسمها بوعي أو بدون وعي من خلال قنوات التواصل البشري وغير البشري.
وإذا أردنا أن نذهب إلى أبعد من ذلك وتأملنا المبدأ الأنثوي في مقابل المبدأ الذكوري، نستطيع أن نخلص إلى معادلة إنسانية بسيطة جدا وهي أن الرجل والمرأة قطبان يمثلان الإنسانية، يدور كل منهما حول الآخر وتتمثل الروابط التي تجمع بينهما في الجذب والدفع. وإذا حصل أن اصطدما فإن كلاً منهما سيتضرر. وهكذا يمكننا أن نتصور كيف أن ثنائية المرأة والرجل هي ثنائية فريدة واستثنائية. يعرف كل منهما بالآخر ويجتمعان في الإنسانية المقدسة. يتشاركان مصائرهما، سواء أكان خيراً أو شرا. كما أن كلاً منهما يتمتع بنظرة متباينة للكون وللوجود. ومن هنا غالباً ما تبدأ الصراعات اللامتناهية بين الهيمنة الذكورية والسعي الحثيث للأنثوية أن تفرض وجودها هي الأخرى عن طريق الحركات النسوية التي أصبحت تُسمع صوتها للعالم. قد تبدو هذه الصراعات سيئة وغير مثمرة وتحمل الكثير والكثير من اللغط واللامعقول. ولكني أرى في الصراعات اقتراب الأمل. ما زالت المرأة تناهض من أجل أن تنتزع حقوقها المسلوبة وما زال الرجل يحاول أن يثبِّت أقدامه في مواجهة الصراع. وقبل أن ندرك أن خلاص الطرف الأول يعني خلاص الطرف الثاني حتماً سيأخذ الصراع طرقا ومنحنيات غير مألوفة، وخصوصاً أن المجتمع المتمدن أصبح تدريجياً يمنح الأفراد الاستقلالية الاقتصادية. نحن أمام الكثير والكثير من التساؤلات ومن الصعب الجزم بإجابات محددة. كما أن الإجابات أحياناً تقتل متعة التساؤل
ثنائية الرجل والمرأة
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
