لا شك أنّ التنمية البشرية كعلم نبعت من حاجة ماسة لها، واستطاعت في زمن وجيز التحول إلى علم متكامل، كان في الأساس فكرة تقوم على تبني مشروع إصلاح المجتمع انطلاقاً من إصلاح الفرد وكشف قدرات الذات وطاقاتها اللامحدودة. ولأنّ الفكرة في حد ذاتها فكرة سامية ترتفع على أعمدة القيم النبيلة مثل الصدق والأمانة والحب والعطاء، فإنّ أي إخلال بهذه المبادئ في معناها الممتد يُعتبر إيذاناً بنسف هذا العلم الحديث.
ولنا أن نسأل عن اصطراع أركان الكثير من مؤسسات ومراكز التنمية البشرية إثر حمّى الرواج الشديدة، من فرط رؤيتها في هذا العلم فتحاً جديداً ومورداً للرزق لا ينضب طالما كانت هناك أزمة تحمل لواء علاجها. فمن هذه المراكز من آمن برسالته ومنها من رأى أنّه الطريق الأقصر لتحقيق الربح السريع والصيت الأسرع. فهناك بعض المدربين أصبحوا مثل تجار الشنطة ومتعهدي الحفلات، كل يحمل بضاعته غير المتجانسة على كتفه وكلما سألت عن تدريب في تخصص معين تجده شاهراً حقيبته التدريبية المعدّة على عجل من غير أهلية على المستوى الشخصي، فبعضهم أبعد ما يكون عما ينادون به.
لا عيب بالطبع في احتراف التدريب كمهنة حتى وإن كان للشخص غيرها لأنّ كثيراً من التخصصات تحتاج إلى أن يكون المدرب ضليعاً في مجاله، ولكن بشرط أن يكون الاحتراف راسخا في قناعات العطاء أكثر من الأخذ.
ولأنّ علم التنمية البشرية وتطوير الذات يرتبط بالنفس البشرية وتعقيداتها، فلو رجع الشخص لإنسانيته ودينه لوجد أنّ كثيراً من المواد التي تدرس ويدرّب عليها المهتمون هي مواد أساسية وأصيلة لدى الإنسان. ولو نظرنا في تعاليم الإسلام لوجدنا أنّه وضع أساساً متيناً لهذا العلم دون تسميته. يظهر في قوله صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله وسنتي». إذن فأساس ما يجب أن يكون عليه الإنسان لا يرتبط بشيء مستجلب من عالم آخر وإنما هو موجود في مكنونات النفس البشرية السوية وتوجيهها بالثقة المبنية على الإيمان والصدق والوفاء والتسامح والحب. ودور مدربي التنمية البشرية هو تنشيط هذه الصفات حتى تصبح ديدن الفرد وأسلوبه في الحياة. وبمعنى آخر فإنّ مدربي التنمية البشرية وعلماءها لا يجلبون السعادة وإنما يدلون على طريقها.
هناك البعض الذي يرى أنّ مدربي التنمية البشرية مجرد بائعين لروشتات السعادة، وفي رأيهم أنّ السعادة لا تحقق بالتوجيهات، وأصحاب هذه النظرة على قناعة تامة بأنّ السعادة حظوظ أكثر منها تغيير المرء لواقع وظروف حياته وطريقة عيشه نحو الأفضل. وبلغت سخريتهم من أصول هذا العلم ورسائله التي تأتي في شكل كبسولات، لأنهم لم يدركوا بعد أنّ الأساس في التنمية البشرية هو علم تطبيقي أكثر منه نظري، وتحتاج وفقاً لذلك لأن يدرب الفرد نفسه حتى يصل إلى مبتغاه. كما أنهم يضحكون على الرسائل التي توجه إلى البحث عن السعادة داخل الإنسان ويرونها عبارة عن رسائل تختزل عمره بأكمله وطريقة حياة يتأقلم عليها الفرد وتنبني شخصيته من خلال تدرجه فيها على مدى سنوات.
وبين هؤلاء وهؤلاء لا بد من الاعتراف بأنّ البشر على انتماءاتهم ومشاربهم كافة أصبحوا في حاجة ملحة للرجوع إلى إنسانيتهم. وعلم التنمية البشرية بدأت طفرته في الغرب لأنّ الاحتياج له نما بشكل متسارع نسبة لسيادة العالم المادي وتغول رأس المال على الأفراد والمجتمعات وتحويل كل ما له علاقة بطبيعتهم البشرية إلى سلعة تُباع وتُشترى. فكان لا بد من علم يفجّر الطاقة البشرية الداخلية ويفعّل ديناميكية التكيف العصبي للإنسان حتى يستطيع المواءمة مع حياته، بشكل لا يفقده إنسانيته ولا يضيع مواكبته للعالم من حوله. وبانتشار العولمة انتقلت نفس الأدواء المصاحبة لها والتي عانى منها العالم الغربي، إلى العالم العربي والشرقي عموماً فنبعت الحاجة لترياق يعالج النفوس ويبعث فيها اليقين.
سحر التنمية البشرية
منى عبدالفتاح3 دقائق للقراءة

حجم الخط
