بات العالم بأسره على قدر كبير من الوعي والإدراك بحيث لا يقبل كل شيء على عواهنه، ولا يمرر أي أمر على علّاته، ولا يستسيغ كل قرار ما لم يكن له مبرراته، ويعود ذلك -في تصوري- إلى انتشار العلم وأدواته في المجتمعات عموما.
وتعامل الكثيرون من أصحاب القرار على أساس التبرير في التعاطي، والتوضيح لمسوغات القرارات، ولا شك أن ذلك هو الأسلوب الحضاري المعاصر، الذي يقدر للفرد إنسانيته ويحترم عقليته ويمنحه ماهيته. لكن المؤلم أن بعض وزاراتنا لا تقيم لهذه الاعتبارات قيمة، فتجدها تصدر قرارات غير مبررة على الإطلاق وتتمادى في ذلك يوما بعد آخر، في مشهد عجيب وأسلوب غريب!
وزارة العمل تصلح أن تكون مثالا حيا لهذا الوضع؛ فمنذ أ ن عجزت عن إعطاء أي مبرر لفرضها مبلغا كبيرا يقدر بألفين وأربعمائة ريال على العمالة، دأبت على إصدار قرارات لا يمكن تبريرها، والعجيب أنها تلتزم الصمت حيال ما يكتب، ولا تنطق ببنت شفة تجاه ما يذكر.
فقد طالعتنا الصحف بقرار من هذه الوزارة يفيد بإمكانية نقل الكفالة بدون الرجوع للكفيل بعد مضي عامين، واطلعت على خطاب حرره الاقتصادي ورجل الأعمال هشام منصور الشريف، بين فيه عواقب هذا القرار الوخيمة على سوق العمل، وأضراره الجسيمة على اقتصادنا؛ فقد كان أشبه ما يكون بالدراسة المستفيضة للقرار وما يتوقع منه والتحذير من تبعاته التي تم إيرادها بالتفصيل، وبخاصة على الشركات والمؤسسات الصغيرة.
ولكن -بطبيعة الحال- لا أتوقع مطلقا أن تتراجع الوزارة عن قرارها، فهي معنية بإصدار القرارات دون منح القرار فترة تجريبية أو عقد لقاءات مع رجال الأعمال والاقتصاديين، وهو ما يعتبره البعض غطرسة ربما وصل لحد العجرفة.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد؛ فقد منعت الوزارة مؤخرا مكاتب الاستقدام من عمل التفويض، ليكون ذلك ضمن سلسلة من ألوان التعنت الذي يخالف وبشكل قاطع توجيهات القيادة القاضية بتسهيل أمور المواطن!
والتفويض -لمن ليس لديه فكرة عنه- هو إرسال وكالة لمكتب في دولة أخرى من أجل جلب شخص معين، وكانت المكاتب تقوم بذلك وتتقاضى رسوما تتراوح بين مائة وخمسين ريالا أو نحو ذلك، لتأتي الوزارة وتمنع هذه العملية -هكذا بدون أي تبرير- لينشأ بعده سوق سوداء، وترفع المكاتب الرسوم إلى ألف ومائتي ريال، والوزارة تقف موقف المشاهد، وأحيانا تلوح بالعقوبة، لكن الوضع باق والتفويض يتم. ولا يعلم أحد سبب المنع حتى الآن، في إجراء مدهش، والأكثر دهشة أن البديل مفقود!
أقحمت في هذا الموضوع، فأجريت اتصالات عدة، حتى وصلت إلى جوال الناطق الإعلامي لوزارة العمل، فطلب مني إرسال رسالة إلى بريده الالكتروني وأخرى لبريد الوزارة، فماذا كانت النتيجة؟
مباشرة رد الكتروني من بريد الوزارة برسالة تفيد بتلقي الشكوى والوعد بالرد في أسرع وقت، أما الناطق فلم ينطق حتى كتابة هذا المقال، وبعد مضي أكثر من أسبوع!
وهكذا تستمر الوزارة في نهجها، عفوا أقصد تعنّتها، قرارات تصدر، ليس لها تبرير، ودون اطلاع الاقتصاديين ورجال الأعمال عليها وأخذ آرائهم فيها! والأمثلة على هذا أكثر من أن تحصى، كالحملة التي أوقفت وعادت العمالة تعبث، وتعطل نظام نطاقات والسعودة وغيرها.
وفي كل الأحوال، يعاني المواطن (حيث ارتفعت الأسعار نتيجة فرض رسوم باهظة على العمالة) ويقع رجال الأعمال من تجار وصناعيين وغيرهم في حيرة من أمرهم (في حال تطبيق نقل الكفالة دون الرجوع لهم) وأخيرا وقع الضرر على الجميع بعد إلغاء ما يعرف بالتفويض.
ولنا أن نتساءل: متى تتخذ الوزارة قرارا حضاريا تلزم نفسها فيه بعدم إصدار أي قرار إلا بعد دراسة مستوفية الشروط، والجلوس مع المعنيين به، أو توزيع استبانات يتم تفريغها، ليأتي القرار ملبيا لمتطلبات سوق العمل (وهو الذي يعني الوزارة) ومتماشيا مع تطلعات العاملين فيه، والأهم أن يكون محققا لتوجيهات القيادة الرشيدة القاضية بتسهيل أمور المواطن، فكم هو جميل أن يصدر مثل هذا القرار.
لكن الأجمل في الموقف أن الكتّاب ما زالوا يكتبون والصحف لا تكف عن المطالبة، وكأن شعارهم:
أكرم بذي الصبر أن تقضى حوائجه
ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
وختاما: تلوح في الأفق علامة تعجب كبرى عن دور الجهات الرقابية عن تلكم القرارات، مع علمي الأكيد بأن بعض التجار قد أوصلوا شكواهم لجميع الجهات المعنية دون جدوى. وعن غياب الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد عن كل تلك الأضرار التي لحقت بالجميع، جراء قرارات بلا مبررات!