يحب الأكراد أن يكرروا رواية قصة حول المحادثات في نهاية حرب العراق. فيما كان يتم وضع التفاصيل النهائية للاتفاق حول الجمهورية الجديدة، حدث خلاف بين ممثلي الولايات المتحدة والأكراد في شمال العراق. أصر الأمريكيون أنه لن يُسمح للأكراد، تحت أي ظرف من الظروف، أن يكون لهم جيش مستقل بعد أن تحرر العراق بالكامل ولم تعد هناك حاجة لمنطقة الحظر الجوي. وصل النقاش إلى طريق مسدود. في آخر لحظة، قدم الأكراد تنازلاً. قالوا إنهم سيتخلون عن تشكيل جيش خاص بهم مقابل احتفاظهم بفصائل «البشمركة» التابعة لهم. وافق الأمريكيون وعادوا من أربيل إلى بغداد. لم يخطر لهم إلا بعد أن وصلوا إلى بغداد أن يسألوا عن معنى كلمة «البشمركة» الكردية، والتي تعني «حراس الإقليم الكردي»، أو بعبارة بسيطة هي في الواقع جيش.
هذه القوات تولت حماية الأكراد من الإرهاب الذي أدى إلى مقتل الكثيرين في باقي أنحاء العراق. وكذلك جاء آلاف العراقيين من الموصل هربا من تنظيم داعش ليكونوا في حماية البشمركة. لا بد من القول إن إحدى النتائج الجيدة لسقوط صدام حسين كان استمرار الديمقراطية، التي كانت قد بدأت قبل 20 سنة، في إقليم كردستان. هذا الإقليم منارة أمل ليس فقط لأولئك الهاربين من الموصل ولكن بالنسبة للعراق كله، حيث إنه أثبت أن وحدة الهدف والقوات الأمنية الواثقة تستطيع أن تهزم الإرهاب. فما الذي حدث؟
كان هناك الكثير من تبادل الاتهامات داخل العراق. مصادر الحكومة تتهم الحلفاء، خاصة أمريكا وبريطانيا، بالتخلي عنهم في أزمتهم. المصادر الأمريكية والبريطانية تشير إلى أن رئيس الوزراء المالكي طلب من قوات البلدين المغادرة في 2011. لكن الحقيقة هي أن أمريكا وبريطانيا غادرتا العراق قبل أن يكون مستعداً لأسباب أنانية تتعلق بالوضع السياسي الداخلي لكل من البلدين. العراقيون العاديون لم يتخلوا عن الأمل مطلقاً –المشاركة في الانتخابات الأخيرة كانت أعلى ربما مما يستحقه المسؤولون العراقيون وأظهرت تعطشا للحرية. دعم الديمقراطية في العراق لا يزال قضية نبيلة. الصراعات المعقدة تحتاج إلى صبر استراتيجي –مثل ذلك الذي أدى للانتصار في الحرب الباردة. يحتاج الأمر إلى وقت طويل لإعادة بناء العراق. الفضيحة الحقيقية هي صمت الحكومة البريطانية. من المعيب أيضا أن مجلس العموم الذي أيد حرب العراق لم يطرح على رئيس الوزراء البريطاني سؤالا واحدا حول سقوط الموصل.
الحكومة البريطانية مصابة بالجمود والذهول بسبب فترة توني بلير. في البداية قررت الحكومة الخروج من العراق لأن ذلك عكس ما يريده بلير. وبعد ذلك أعلنت الحكومة عن رغبتها بالتدخل في سوريا لأن ذلك هو بالضبط ما كان بلير سيفعله! وأخيرا، يصمت المسؤولون لأنهم لا يعرفون ما يجب عمله!
خطاب توني بلير الأخير حول التيار الإسلامي تعرض للكثير من الشجب والإدانة، لكنه في واقع الأمر يتميز بأمرين هامين: وضوح التحليل الذي تناوله ودقة العنان الذي اختاره. تحت عنوان «لماذا الشرق الأوسط مهم»، قال توني بلير «ما يحدث هناك حاليا لا يزال يمثل أكبر تهديد للأمن العالمي في أوائل القرن الحادي والعشرين. المنطقة ... تعاني من اضطراب دون وجود نهاية واضحة في الأفق للانتفاضة وهناك الكثير من الاحتمالات حول النتائج المحتملة من التفاؤل الحذر وصولا إلى الكارثة.»
لا يمكن على الإطلاق أن تقف بريطانيا على الحياد في الوقت الذي يحتاج العراق إلى مساعدة ماسة. بريطانيا تتحمل مسؤولية الشعب الذي ساعدت على تأسيس ديمقراطيته. أولئك الذين ليسوا صامتين بشكل كامل متجهمون وغاضبون، وهم يتمتمون بأن توني بلير وجورج بوش تسببا في كل هذه الفوضى، وأنه لم يكن هناك وجود لتنظيم القاعدة في العراق قبل عام 2003.
إن الحقيقة هي أن بريطانيا إذا لم تفعل شيئا حاسما الآن فإنها ستضطر أن تفعل شيئا فيما بعد. بعد أن ساهمت بريطانيا في حماية حرية واستقلال الأكراد منذ حرب الكويت فإنها لا تستطيع التخلي عن هذا البلد الآن، ولا تستطيع أن تترك الشعب العراقي ليعتمدوا على حماية الجمهورية الإسلامية الإيرانية. يجب على بريطانيا أن تعود إلى العراق من أجل إنقاذ الديمقراطية. في نهاية المطاف، وكما قالت رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارجريت تاتشر خلال أزمة جزر الفولكلاند، لماذا تمتلك بريطانيا قوات مسلحة؟
علينا العودة إلى العراق لإنقاذ الديمقراطية
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
