حتى المضغة في رحم أمه ينشأ على دين ومذهب!. تلك هي الفطرة، التي خلقه الله عليها، فهو بأطوار نموه جنيناً يستشعر نبضات أمه، ويتلمس ابتهالاتها الروحية، ويشعر بلمساتها المناجية لربها، وهي تباركه في بطنها، وتبتلها بروحانية بين الرجاء والخوف في ساعات الولادة. وبعد خروجه للحياة، يلفي جميع من حوله يصدحون بالدعوات المختلفة له بالصحة والعمر والبركة والصلاح.
وهذا يحدث للإنسان مهما كان دينه، وأياً كان مذهبه، ومهما كانت لغته.
فيترعرع الطفل لا يعرف غير ما يسكبه والداه ومجتمعه في رأسه الصغير عن إلهه ومعتقده وشعائره، ودون أن يكون له اختيار بذلك، أو قدرة على الاطلاع على الأديان أو المذاهب الأخرى فيصبح قلباً وقالباً نسخة عن والديه في الديانة.
وبفعل عوامل التربية والتعويد والتعليم المُركز ينضج يقينه مسبوكاً بصلابة دينه ومذهبه وبشكل أصيل لا يسمح له بأن يشك أن في الوجود ما هو أفضل مما يدين به.
فيكبر ثابتاً عنيداً في حواره مع الأديان والمذاهب الأخرى، لأنه يكون قد تشرب جميع تفاصيل حسنات دينه ومذهبه، وأوغل في تتبع سقطات ونقائص الأديان والمذاهب الأخرى.
محصن لا يمكن أن تخشى عليه من تحول عن دينه أو مذهبه، إلا في واقع قلائل ممن يتحولون في حالات نادرة، إما عن بحث وقناعة شخصية، أو عن طريق تدخل خارجي بإقناع أو إغراء.
وما يحسب لخادم الحرمين الشريفين أنه سابق لعصره بالدعوة لحواري الأديان والمذاهب.
والحوار هنا ليس مقصوداً به ما يظنه البعض، بأن نجمع أهل الأديان أو المذاهب الأخرى لنقنعهم بتغيير معتقداتهم، والتحول إلى ديننا أو مذهبنا!.
إنه حوار رقي عصري عقلاني حر يقصد منه أن يحترم كل طرف دين الآخر وكأنه يتكلم عن دينه الشخصي، وأن يحترم كل صاحب مذهب مذاهب الآخرين، وكأنها مذهبه.
الحوار ليس للنيل من قيمة دين أو تشويه شأن مذهب، بل على العكس من ذلك، مما يكفل الحرية الشخصية لكل من له دين أو مذهب بأن يزاول عبادات معتقده كما يراها، ودون أن يتعارض مع حرية الآخرين، فلا يجرح ولا يعيب في نسكهم أو معتقدهم.
لا أحد يسيء لرموز الآخر، ولا أحد يسب ولا يسخط، ولا أحد يقارن ويقزم، لتعيش تلك الأديان والمذاهب بتعايش سلمي، وإخاء، واحترام متبادل يقوم عليه علماء الدين أو المذاهب، فيشرحون لأتباعهم كيف يكون حوار الأديان والمذاهب محترماً، دون أن يعودوا في كل معترك للصفر، باقتراف الإساءات المتبادلة، والتجريح.
هذا حُلم تبناه الملك عبدالله، ولكنه من الأحلام طويلة المدى والرجع، والتي تحتاج من جميع البشرية للتفهم، والقدرة على التنفيذ دون تقية أو خداع بأن يقال على المنابر عكس ما يحصل في الجلسات الخاصة.
فدعونا نتأمل بأن نعيش ولو بدايات ذلك الحلم الإنساني الراقي المحترم.