لا لأن الإنسان هو المدخل الرئيس لأي عمل تغييري نبتغي إحداثه ولو بعد حين، ولا لأن أي "سلطة سياسية" قد تقف بالمرصاد لأي تناد بالإصلاح قد يفهم من خطابه - بادي الرأي- أنه إصلاح يستبطن شيئا آخر غير مرغوب فيه بحسبانه يتوسل أي حِراك ماض باتجاه قسري نحو التغيير الذي يستشرف عرابوه أن يطال كل شيء! لا لهذا ولا لذاك جاءت صياغة العنوان من حيث المطالبة بأن يكون الاشتغال تغييرا في"الإنسان" بوصفه قيمة لا في ماهية السلطة باعتبارها "وسيلة"، وإنما جاءت صياغة العنوان بعاليه بسبب يباشره "الإنسان" نفسه/ وبنفسه إذ تعزى - من خلاله - المشكلة التي اقتضت "التغيير" إلى كونها "مشكلة ثقافية" بمقامها الأول ما يعني أن أي سلطة لا تعدو أن تكون صورة طبق الأصل للنفسي/ والاجتماعي الذي يرزح تحت نيرهما (الواقع) والذي ما من أحد باستطاعته أن يملأ خانته وبامتياز غير "الإنسان" بوصفه كائنا ثقافيا! على حين تظل "السلطة" منتجا اجتماعيا بصورة أو بأخرى.
إلى ذلك يمكن القول: لا السلاح بإمكانه أن يصنع تغييرا وليس من شأن الانقلاب - هو الآخر- سوى التأسيس لطغيان آخر لا يقل عن سابقه إجراما، وإنما يختلفان في "التسميات" ليس غير.
وذلك أن الثورة "المسلحة" ما فتئت تنذر بمقدمات شرور تنزع باتجاه تجزئة الطغيان، فبدلا من أن يكون- هذا الأخير- واحدا ألفيناه (طغيانات) تشقي البلاد وتستعبد العباد!
وبأي حال.
.
فإن التاريخ والجغرافيا شاهدان عدلان في محكمة كان التقاضي فيها إلى "الإصلاح"، وعريضة الدعوى كانت كلمة واحدة هي "التغيير"، فيما المحكمة قد اكتظت بضحايا العنف (والقتل) والاستبداد، وأوشكت "كرامة الإنسان" أن تلفظ أنفاسها الأخيرة تحت وقع أقدام الفوضى والصخب والخزي الذي سلب "الإنسان" رشده فبات يتوسل قيمته ممن هو دونه بكثير.
.
الجريمة إذن قد سجلت بحق "التغيير بقوة السلاح/ أو انقلابه/ أو ثورته".
.
الأمر الذي استدعت من خلاله "المحكمة" عقلاء العلم/ والفكر/ والثقافة وأوصوهم خيرا بـ "الإنسان" ابتغاء رفع المظلمة عنه/ والذي لن يتحقق إلا بذات "الإنسان"، وذلك بأن يكون "العلم والفكر والثقافة" رِفْقة "الإنسان" ليشتغل بالتالي هذا "الثلاثي" على إعادة صياغته في تكوينه العلمي / الثقافي/ الفكري، إذ لا شيء يحرر "الإنسان" من قبضة أي سلطة نحو الأفضل مثل تحرير الإنسان من أفكاره/ وثقافته التي تأسست على فهوم من العنف وإرادة التغيير بالقوة سلاحا/ وبطشا مماثلا.
.
وفي حال ثاب "الإنسان" إلى رشده وعقل دوره في الاشتغال على نفسه حينها سيشهد لنفسه مستقبلا يحفظ له كرامته ويمنحه بالتالي حقوقه، كما وأنه ما من مقاربة لأي عمل تغييري إلا و"المجتمع" يصنعها" بـ "إنسانه"، وفي النصوص وكذا التاريخ ما يشهد لذلك:
*"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
* قال الطرطوشي في سراج الملوك في "كما تكونوا يولى عليكم": لم أزل أسمع الناس يقولون: "أعمالكم عمالكم كما تكونوا يولى عليكم" إلى أن ظفرت بهذا المعنى في القرآن، قال الله تعالى: "وكذلِك نولِي بعْض الظالِمِين بعْضا".
*ومما يؤيد مقولة "كما تكونوا يولى عليكم" ما ورد عند الطبراني من طريق عمر وكعب الأحبار والحسن أنه سمع رجلا يدعو على الحجاج فقال له: لا تفعل، إنكم من أنفسكم أتيتم، إنا نخاف إن عزل الحجاج أو مات أن يستولي عليكم القردة والخنازير".
*وكذلك أيضا ينقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رجلا خارجيا قال له: يا علي كيف دان الناس لأبي بكر وعمر ولم يدينوا لك؟ قال: لأن أبا بكر وعمر كان رجالهما أنا وأمثالي، وكان رجالي أنت وأمثالك.
قال الإمام ابن القيم: وتأمل حكمته تعالى في أن جعل ملوك العباد وأمراءهم وولاتهم من جنس أعمالهم، بل كأن أعمالهم ظهرت في صور ولاتهم وملوكهم، "فإن استقاموا استقامت ملوكهم،
وإن عدلوا عدلت ملوكهم، وإن جاروا جارت ملوكهم وولاتهم، وإن ظهر فيهم المكر والخديعة فولاتهم كذلك، وإن منعوا حقوق الله لديهم وبخلوا بها منعت ملوكهم وولاتهم ما لهم عندهم من الحق وبخلوا بها عليهم، وإن أخذوا ممن يستضعفونه ما لا يستحقونه في معاملتهم أخذت منهم الملوك ما لا يستحقونه وضربت عليهم المكوس والوظائف، وكل ما يستخرجونه من الضعيف يستخرجه الملوك منهم بالقوة، فعمالهم ظهرت لهم في صورة أعمالهم، وليس في الحكمة الإلهية أن يولى على الأشرار الفجار إلا من يكون من جنسهم، ولما كان الصدر الأول خيار القرون وأبرها كانت ولاتهم كذلك، فلما شابوا شابت لهم الولاة، فحكمة الله تأبى أن يولى علينا في مثل هذه الأزمان مثل معاوية وعمر بن عبدالعزيز، فضلا عن مثل أبي بكر وعمر، بل ولاتنا على قدرنا وولاة من قبلنا على قدرهم".
وبالجملة فإن الحاجة لمجتمع "راشدي" أشد من الحاجة لـ "الخلافة الراشدة"، وحتى في الأنظمة الحديثة يقولون: الديمقراطية لا يمكن أن تكون نظاما للحكم دون أن تكون نظاما للمجتمع، ذلك أن "الديمقراطية" ظاهرة مجتمعية قبل أن تكون أي شيء آخر.
alsaif.
k@makkahnp.
com
غيّروا في "الإنسان" لا في "السُّلطة"!!
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
