أتذكر في عام 2010 أجريت لقاء خاصا مع الملحق الثقافي في واشنطن الدكتور محمد العيسى لإنتاج فيلم وثائقي أعددته عن الطلبة السعوديين في أمريكا، وكان العيسى يشير في إجاباته لأكثر من مرة إلى أن الهدف من الابتعاث ليس التعليم وحسب، إنما الاطلاع على ثقافة الآخرين من خلال الاحتكاك بهم، والتعايش معهم، واكتساب السلوكيات الإيجابية المطبقة فعلاً في تعاملاتهم الحياتية.
الأسبوع الماضي طالعتنا الصحف اليابانية بخبر «غريب»، ونقله كثير من الصحف العربية والعالمية، وهو أن طالباً سعودياً أقدم على تحطيم تماثيل بوذية في معبد سنسوجي في منطقة أساكوسا اليابانية، وكما تؤكد شرطة العاصمة اليابانية «أنها ليست المرة الأولى التي يقوم فيها بعمل مشابه ضد تماثيل بوذية باعتراف الفاعل نفسه». الفعلة شنيعة ومنبوذة بالتأكيد من قبل غالبية المسلمين لمن يفهم سمو وسماحة الإسلام. لكن المصيبة العظمى أن ما أقدم عليه العقل الظلامي قوبل بترحيب وإشادة من قبل بعض المعلقين على الخبر. وهذا يستدعي منا التوقف والتأمل والبحث في عقول هؤلاء المهللين والمكبرين الذين اعتبروا ما أقدم عليه «المتهم» بمثابة فتح عظيم ونصر للإسلام والمسلمين. لقد استذكر بعضهم قصة تحطيم سيدنا إبراهيم «عليه السلام» أصنام آلهة قومه!
دعونا نتخيل ولو للحظة أن أحد اليابانيين جاء إلينا وصعد إلى أحد منابر المساجد وهدمه، ماذا نحن فاعلون به، وكم من ناصر سوف ينتصر لديننا ومعتقدنا. هم أيضاً لديهم معتقد يتعبدون به، وإن سلمنا بضلالة ما يتعبدون به، إلا أنه لا يحق لنا التجرؤ على مقدساتهم ومحاولة التفكير في هدمها. لقد نهانا ديننا عن مجرد سب آلهة المشركين، فكيف لمن أقدم على تحطيمها بقول الله تعالى «وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ». قال قتادة في تفسير هذه الآية «كان المسلمون يسبون أوثان الكفار فيردون ذلك عليهم، فنهاهم الله أن يستسبوا لربهم قوماً جهلة لا علم لهم بالله». نحن في حاجة إلى التعايش مع الآخر في زمن ألصق بنا تُهم عديدة منها التطرف والإرهاب. يجب على طلابنا المحافظة على أهم أهداف هذا الابتعاث التي نرتكز عليها من خلال تقديم صورة مغايرة عما وصفنا به. أنا أعرف تماماً أن طلابنا المبتعثين هناك سوف يكونون أول المتضررين من جراء فعل هذا الطالب، فكم من الأسئلة والاتهامات سوف توجه إليهم وإلى مجتمعهم في الفصول الدراسية!، سوف يكونون في موقف المدافع، أعانهم الله لشهورٍ قادمة إلى أن ينسى اليابانيون ما حصل أو أن تتم تبرئة المتهم وهذا ما نتمناه.
كنت أتمنى من بعض الرموز الدينية أن يشاركوا الناس في التعليق على هذا الحدث وإنكار ما قام به الطالب، لكن للأسف صمتوا جميعا، لم أسمع أحدا منهم يشنع هذه الفعلة، لا في تويتر ولا حتى في الإعلام، باستثناء الشيخ المنيع، حيث دعا المبتعثين إلى مراعاة عادات وتقاليد الدول التي ابتعثوا إليها. أعتقد أنه يجب على الخارجية السعودية، إذا ما تم فعلاً إدانة المتهم، تقديم اعتذار رسمي للشعب الياباني، وهذا أقل ما نفعله لحفظ ماء الوجه ولتقديم حسن النوايا على أننا نحترم مقدساتهم ومعابدهم.


[email protected]