يبدو أن خريطة الشرق الأوسط مقبلة على إعادة تشكيلها من جديد، بعد مضي نحو قرن على ترسيم حدودها بموجب اتفاق سايكس ـ بيكو عام 1916، الذي أبرم بين بريطانيا وقسمت بمقتضاه أراضي الإمبراطورية العثمانية إلى مناطق نفوذ، ثم توثقت حدودها بمعاهدات دولية عقب الحرب العالمية الأولى. الحكم الاستبدادي العثماني خلق حالة من الجمود السياسي في الولايات العربية التي كان يحكمها طيلة خمسة قرون، ما فتح الباب أمام أطماع القوى الجديدة التي برزت خلال العقدين الأولين من القرن الماضي للاستيلاء على هذه المناطق واحتلالها. وبعد نحو قرن أدى الحكم الاستبدادي في بعض النظم العربية إلى ثورات شعبية سميت بالربيع العربي، إلا أنها تحمل في طياتها قوانين جديدة تبدو أنها قادرة على إحداث تغييرات جذرية في ملامح الحكم، وفي بروز حركات انفصالية تنبذ مبدأ وحدة الأرض والمصير.
بدت ملامح هذا التغيير بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، عندما منح الأكراد حكما ذاتيا في الشمال العراقي. وتلا ذلك انفصال جنوب السودان عن الدولة الأم في فبراير عام 2011، الذي شهد اضطرابات سياسية في كل من تونس، مصر، اليمن، ليبيا، سوريا.
تعاني هذه الدول حتى الآن في الحد الأدنى عدم استقرار، وفي الحد الأقصى تهديدا بالتفكك والانفصال. فالصوملة العربية ليست قاصرة على بلاد الصومال، بل تعددت نسخها في ليبيا واليمن، والعراق، وسوريا. ففي ليبيا تدور معارك بين القوى المسلحة، خاصة في بنغازي، التي تسعى إلى تأسيس دويلة في الشرق الليبي. كما تشهد اليمن حركات انفصالية رغم اتفاق القوى السياسية على حكم فيدرالي من ستة أقاليم، وهو أمر يرفضه في الجنوب الحراك الانفصالي، وفي الشمال جماعة الحوثي. أما العراق وسوريا فيمران بمخاض عسير لولادة كيانات ودويلات تفتت حلم الوحدة والاستقرار.