يرى القائمون على دراسة اللغة أنّ لها وظائف إنسانيّة جمّة، منها على سبيل المثال: الاتّصال أو التواصل مع الناس، والفكر أو التفكير، إذ لا تفكير بلا لغة، وتكوين الهويّة، والتنفيس عن الذات، والتسلية مع الآخرين، والاقتصاد أو تصريف شؤون الحياة والمعاش، كما يقولون.
والنظر العميق في هذه الوظائف وغيرها يردّها إلى ثلاث وظائف حواريّة الطابع هي: التواصل مع الإنسان أوّلاً، أي حوار الذات مع الآخر، وبناء الذات ثانيًا، أي حوار الذات مع الذات، ووعي الكون أو العالم أخيرًا، أي حوار الذات مع مكوّنات الوجود.
فحين تكون اللغة مكتسبة من المحيط الذي يحيا فيه الإنسان، فإنّها تؤكّد طبيعة الإنسان العلائقيّة، إذ هو نتاج عمليّة تواصل إنسانيّ واجتماعي على صعيد الوجود المادي والروحي، فهو كائن اتّصالي في أصل تكوينه، وهو كائن لغوي بالضرورة لتحقيق معنى هذا التواصل. وحين تكون اللغة هي وعاء التفكير وأداته أو آليّته فإنّه لا يمكن تصوّر التفكير لدى الإنسان دون حيازة لغة بمواصفات تجعل الفكر إنسانيًّا يبتغي الكمال، فتغدو اللغة ضرورة وجوديّة لتكوين الذات وتحديد الهويّة وامتلاك الوعي.
من هنا تكمن الأهمّيّة القصوى للّغة في حياة الإنسان، إذ هي التي تسبّب له أوّل عتبة من عتبات الاغتراب الوجوديّ النافع والمفيد؛ حتّى يصلب عوده ويتمكّن من ممارسة الحوار مع الآخر، ليبني عمليّة التواصل الإنسانيّ، ثمّ يضطرّ كذلك للخروج من ذاته الطبيعيّة ليتثقّف بها مفكّرًا من خلالها فاعلاً ومنفعلاً، وليتدرّب أيضًا على تقبّل الجديد والطارئ عليه والحادث من المستجدّات والأمور ووعيها.
وهكذا يمكن القول إنّ اللغة في جوهرها هي وسيلة الحوارالمثلّث مع الذات لبنائها بالفكر، ومع الكون بإنجاز منظومة التفكير لتشكيل رؤية الإنسان للوجود أو للعالم الذي ينتمي إليه، ومع الآخر لتكون وسيلة الحوار لمعرفته بغية الأخذ منه اقتباسًا واستفادة، والعطاء له فيضًا وإفادة، فهي بذلك تعدّ مكوّنًا أساسيًّا من مكوّنات الهويّة الوجوديّة والإنسانيّة والقوميّة والوطنيّة.

[email protected]