«لأن الرياضة الشعبية الأولى في الصين هي العمل».. وزير الرياضة الصيني (ليو بينج) ردا على سؤال بشأن الفشل في نشر الولع بكرة القدم لدى الصينيين.
أحب أن نواجه أنفسنا بشجاعة، نحن أمة تاريخها الكروي خال خلوا تاما من الأمجاد المونديالية..
وفي كل مرة يمتد بنا العمر لنتابع العرس الكروي العالمي الكبير، كأس العالم لكرة القدم، يصدع الإعلام الرياضي العربي رؤوسنا بنفس المعلومات القديمة المخجلة – وإن كان بعض المعلقين يبثون فيها الحماس المصطنع- وهي لا تزيد على أن مصر هي الدولة العربية الأولى التي نالت (شرف) المشاركة، وأن الكويت اصطحبت معها جملا حين شاركت، وأن السعودية شاركت أربع مرات، وأن الجزائر خرجت من الدور الأول بمؤامرة من الدول الناطقة بالألمانية...إلخ.
ولا أحد يتوقف لحظة ليرصد المفارقة الأليمة التي تكاد تنفرد بها أمة العرب دون بقية أمم المعمورة؛ وهي أننا من أشد أمم العالم ولعا بكرة القدم، ومن أشدها غيابا عن محافلها العالمية، وإخفاقا في تحقيق الانتصارات إن أتيحت لنا المشاركة!
وهذا الذي يتابع ما تنفقه دولنا وأنديتنا العربية من ملايين، للتعاقد مع هذا (النجم) أو ذاك، ولاستقطاب هذا المدرب (العالمي) أو ذاك.. ويرى قنواتنا الرياضية الكثيرة وهي تحفل بالبرامج التي يتناثر الزبد من أشداق المتحاورين فيها لفرط حماسهم، يظن أننا أصحاب أمجاد كروية عالمية كبرى بلا نظير كالبرازيل ربما أو كإيطاليا!
بينما الحقيقة الصادمة أننا صفر اليدين من الإنجازات صغيرها وكبيرها في محافل الكرة العالمية الكبرى، وأهمها كأس العالم!
يقول الشاعر الأرجنتيني الكبير أنطونيو بورشيا: «إن أنت سرت في اتجاه ما بحماس وإصرار طول عمرك ثم لم تصل إلى هدفك قط، فإن هذا الهدف ليس ممكنا أصلا، وأنت قد أضعت عمرك هباء.»
وهي فكرة كاشفة تصلح لإضاءة العلاقة العربية المتناقضة والملتبسة والمخيبة للآمال بالغادرة المستديرة التي لا ذنب لها في خيبتنا الثقيلة!
علينا إذن - وأنا أقصد هنا وزارات الشباب والرياضة واتحادات كرة القدم العربية - علينا أن نغير استراتيجياتنا فيما يتعلق بهذه الرياضة التي لم تقدم لنا شيئا، وأخذت منا الكثير الكثير من الموارد والوقت والطاقات..
وبدلا من أن نقدم الدعم بالملايين لأندية خائبة وفرق وطنية لا تستطيع إلا التنافس مع المنتخبات الوطنية العربية الخائبة بدورها..وبدلا من أن تكون ممارستنا لكرة القدم مبنية على طموح غير واقعي في تحقيق انتصارات مدوية ذات يوم على ألمانيا وهولندا..دعونا نفكر كالتالي..
كرة القدم رياضة شعبية بالأساس، لذا من المنطقي لدول عاجزة عن المنافسة الدولية، أن تعيد تلك الرياضة إلى الناس، بحيث يصبح هدفنا القومي من ورائها هو أن يمارسها أكبر عدد ممكن من المواطنين والمواطنات، دون سعي أجوف لتكوين فريق يهزم برشلونة ويسحق مانشستر يونايتد!
وهذا يتطلب تحويل الموارد إلى إنشاء ساحات شعبية مفتوحة للمواطنين، لكي تتبارى فيها فرقهم المحلية المكونة من الناس العاديين، بغض الطرف عن عمرهم وموهبتهم، وصرف الاهتمام الإعلامي لتغطية مباريات الناس تلك، وتوجيه الفرق المتبارية توجيها يرفع من مستوى ممارستها للعبة. كما أنه من المفيد أن تخصص الدولة جوائز لأفضل تلك الفرق ولنجومها من الهواة.
إن الأرقام المذهلة التي يباع بها اللاعبون ويشترون في دورياتنا العربية الهزيلة السخيفة المملة، تكفي تماما لتمويل مشروع شامل يتيح لكل العرب ممارسة رياضتهم المفضلة (كرة القدم)، مما يكفيهم شر الجلوس في المقاهي وتدخين الأراجيل بقلق خلال متابعتهم مباريات الدوري الإيطالي لكرة القدم، ذلك الدوري الذي لا ناقة لنا فيه ولا جمل!
فلنحول طموحنا الفارغ باقتناص كأس العالم إلى طموح ملآن، بتشجيع نسائنا ورجالنا وأطفالنا وكهولنا على ممارسة الرياضة ممارسة عملية مباشرة يتخلصون بها من الوزن الزائد، ويحاربون الضغط والسكري، ويصبحون أقوى وأصح، ويعتدل مزاجهم فيعتدل بالتالي مزاج الوطن.
كأس العالم لكرة القدم ليس لنا نحن العرب، ولن يكون أبدا، أما الذي يمكن أن يكون لنا، وإن بقليل من الحصافة وحسن التدبير، فهو: الرياضة للجميع.
كأس العالم الآخر!
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
