زميلنا وأستاذنا التراثي الفاحص خالد السيف قال في مقاله يوم السبت الماضي (كلما أمعنت في حياة الفاروق عمر أوشكت على الجزم بأن أبا لؤلؤة لم يكن سوى خنجر مسموم، على حين اليد والذراع القاتلة لم تزل بعد في منأى عن التعريف بها والإبانة عنها!)، ولأنني قرأت كثيرا عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وأهم ما قرأت (فقه عمر، وعبقرية عمر) فإنني أوشك على الجزم بما يوشك أن يجزم به السيف، ليس بسبب عدل عمر وحزمه الذي أورد السيف جانبا منه مع (يعلى بن أمية) أول من اتخذ (شبكا) في الإسلام فقط، ولكن أيضا بسبب مقولته الخالدة (اللهم ارزقني إيمانا كإيمان العجائز)، وهي المقولة التي دعت بعض المؤرخين إلى اعتبار عمر أول المجددين للإسلام، نظرا لفهمه العميق ولما فعله خلال فترة حكمه، من تغيير وتطوير وتحديث دون حرج، ولما اتخذ من قرارات تأديبية توخى فيها العدل، وإنصاف المظلومين ممن ظنوا أنهم سادة، هؤلاء السادة فيما يبدو هم الذراع واليد القاتلة التي عناها خالد السيف في مقولته - والتي أتفق معه فيها - وهي - كما روي - السم الذي شربه حفيده (عمر بن عبدالعزيز)، وهي الاغتيالات التي نالت كل مصلح عادل عبر التاريخ من أهله وعشيرته الأقربين، قبل أن يدعيها أعداؤه ويلصقها بهم المؤرخون الكاذبون.
الحاكم العادل خطر على أهله وعشيرته وحواشيهم المنتفعين أكبر من خطره على الأعداء المتربصين بدولته، ذلك لأن الحاكم العادل لن يسمح لأهله وعشيرته بأن يأكلوا أموال الدولة ولا الناس بالباطل، ولن يوليهم الأمور، ولن يرضى باستعلائهم، مثل ما فعل ابن الخطاب مع (يعلى بن سودة، وعمرو بن العاص، وابنه عبدالله، وغيرهم) ومثلما فعل حفيده عمر بن عبدالعزيز مع (زوجته فاطمة بنت عبدالملك بن مروان، وأبناء عمومته، وكل بني أمية، وبعض ولاته)، والأمثلة بعدهما قليلة، بل نادرة في تاريخنا الإسلامي غير المجيد، لأن كل أو معظم من جاء بعدهما فهم الدرس واستوعب التجربة، فقدم نفسه أولا ثم أهله وعشيرته وحواشيهم ليأمن على ما استأثر به لنفسه وبنيه، وليأمر على البقية، ويستعبدون الباقين جميعا، بسطوة المال، أو بقوة البأس وجبروت السلطان، ولهذا يقال (عمر بن عبدالعزيز خامس الخلفاء الراشدين)، ويقال (أعظم من عدل بعد الرسول، صلى الله عليه وسلم، عمر وعمر - يقصدون ابن الخطاب وابن عبدالعزيز)، وقد كان السم عاملا مشتركا بين العمرين، فالأول قتل بخنجر مسموم، والثاني قتله السم - في أدق الروايات -، فهل كان للأهل والعشيرة الأقربين دور في هذا السم، أم هي المصادفة، أم هم الأعداء فعلا؟ وعلى كل، وأيا كان السبب، فإن العدل مع النفس والأهل والعشيرة والأمة جمع العمرين، رضي الله عنهما، والعدل قتلهما، والأمر لله من قبل ومن بعد، والتاريخ يقول إن المظالم - وليس الأعداء - هي سبب توالي سقوط الدول الإسلامية منذ معاوية حتى عبدالحميد الثاني، وحتى ما بقي من دول (سايكس بيكو)، وإلى أن يشاء الله، ثم حتميات التاريخ التي لا بد أن تقول كلمتها الفاصلة رغما عن الكل، مثلما قالتها مع أمم العالم المتقدم الذي خاض في الظلم والدم أكثر مما يخوضه عالمنا الإسلامي المتخلف اليوم. وأرجو أن يزيدنا الأخ خالد السيف من واسع اطلاعه الواعي على تراث أمتنا غير المجيد وتاريخها، لعلنا نعتبر أو نتسلى على الأقل، فالسيف - لا شك - ذو مروءة (يواسيك أو يسليك أو يتوجع)، لكن لا تتوجع يا خالد السيف، (ففي كل أرض لي حبيب ومنزل)، مع أن حبك وحبي وحنينك وحنيني (أبدا لأول منزل)!
(العمران) قتلهما وأحياهما (العدل):لا تتوجع يا خالد السيف!
قينان الغامدي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
