من المفهوم عقلا وواقعا أن الهوية الأصلية لكل مجتمع تنعكس بالضرورة على واقعه بصورة أو أخرى، وخصوصا في اللحظات الرمزية المهمة كالاحتفالات والمناسبات الكبيرة، وأن القائمين على هذه الفعاليات الرمزية معنيون في العادة بربط مناسباتهم بهذه الهوية وإظهارها حتى وإن لم يكن ذلك بصورة مباشرة، ويتأكد الأمر بطبيعة الحال حين تكون هذه المناسبات في خارج البلاد فهي لابد، ويجب أن تعكس شيئا من ثقافة المجتمع الذي تمثله. وهنا سيبرز سؤال مهم قبل المضي في هذا السياق، وهو وإن عده البعض سؤالا جدليا، لكنه في حقيقة الأمر واضح لمن أراد، وهو السؤال عن مكونات الهوية أصلا. وهنا نقول على سبيل الإشارة إن المكون الأول لها هو الدين ثم تأتي بعد ذلك اللغة والتأريخ والعادات، لتشكل بمجموعها مع تفاوت النسب فيما بينها هوية هذا المجتمع أو ذاك، واستدعاؤها للحضور في اللحظات المجتمعية المهمة هو دليل أصالة المجتمعات وتميزها عن بعضها. وكل شعوب الأرض الآن تعتز بهويتها وتعمل على إيجادها والبحث عنها إن كانت غائبة وتسعى لإظهارها وإبرازها ما استطاعت، وخصوصا في مواجهة المجتمعات الأخرى. وإذا استعرض المرء في ذاكرته الاحتفالات الكبرى للدول فسيجد أنها غدت من أهم المواضع التي تتنافس فيها الدول لإظهار هويتها وأصالتها حتى ولو كانت مناسبة رياضية كمنافسات كأس العالم أو الألعاب الأولمبية. والمقصود أننا هنا مطالبون على الدوام باستحضار هذا البعد، وتقديم هوية مجتمعنا بشمولها بأفضل الصور الممكنة، ولكن وبكل أسف فهي لا تحضر دائما في فعالياتنا وخصوصا في الخارج، وقد تجتزأ إلى لون شعبي أو زي خاص أو بعض القطع الأثرية، وكأن هذه هي عناصر هويتنا وحسب، بل قد نفاجأ أحيانا بأن هذه الفعاليات قد تضمنت أصلا ما يخالف هذه الهوية في أهم جوانبها. وإذا رأيت ما يمارسه الغربيون وهم سادة الحضارة المادية المعاصرة الآن، وكيف يظهر رجال الدين لديهم مثلا في بعض المناسبات وبكل ما في هيئاتهم من غرابة وما في طقوسهم من التكلف، واستدعاءهم للكنيسة ورجالها في بعض السياقات رغم بعدهم عن التدين أصلا، ورأيت تحرج بعض قومنا من حضور البعد الشرعي في بعض المواقف وخصوصا في الخارج علمت كم نحن ككيان ومجموعة قد بدأنا عمليا في الابتعاد عن الاعتزاز بهويتنا، وهذا المعنى أثاره لدي واحد من أكبر احتفالات خريجينا في الخارج قبل أيام، وعسى أن يعي بعض مسؤولينا هذا المعنى بكل وضوح دون تمحل أو تكلف.
تجليات الهوية
جميل اللويحق2 دقائق للقراءة

حجم الخط
