من يصدق أن عراق الحضارة وملتقى الثقافات والطبيعية النهرية والاندماج الاجتماعي يصل إلى ما وصل إليه من عنف وقتل وتهجير واستقطاب طائفي يشبه ما جرى بين الكاثوليك والبروتستانت في حرب الثلاثين عاما؟!
فبعد سقوط بغداد لم تكد أمريكا تشرع في تقاسم الكعكة مع بريطانيا حتى فاجأتها المقاومة الشرسة التي كبدتها خسائر فادحة. لم تستوعب الإدارة الأمريكية هذه الضراوة، وتعاملت معها باستعلاء كما هو معهود، فنسبت المقاومة لأتباع النظام السابق تارة وللقاعدة تارة أخرى. لم تمكث طويلا حتى استخدمت سياسة فرق تسد، فلعبت على وتر الطائفية والمحاصصة العصبوية، وقد نجحت فعلا. وحتى ندرك ما حدث علينا أن نستعرض القصة منذ بدايتها، فقد يذكر الجميع أن إحدى التهم التي وجهت لصدام هي تعاون نظامه مع القاعدة، لكنها بقيت تهمة متهافتة كتهمة أسلحة الدمار الشامل. ولكن ما يخفى على كثيرين أن أفرادا من القاعدة دخلوا العراق عن طريق إيران ومن أبرزهم أبو مصعب الزرقاوي الذي ضخمت أمريكا من دوره ونسبت معظم العمليات لتنظيمه، فبحسب إحدى وسائل الإعلام الغربية «لم يغب الزرقاوي عن مراقبة الـCIA طيلة عامين»، حتى حقق غاية أمريكا في إشعال الفتنة الطائفية، إذ كانت معظم عمليات تنظيم القاعدة في التجمعات السكانية الشيعية. وبعد بروز التنظيم أجبر فصائل المقاومة على البيعة، مما أشعل الحرب بين تلك الفصائل، فكانت تلك اللعبة القذرة من تخطيط بتريوس الذي سهل الدعم للقاعدة لضرب الشيعة لقبول الاحتلال وضرب المقاومة بالقاعدة حتى ضاقت العشائر بالقاعدة وعملت باقتراح بتريوس بتشكيل صحوات لملاحقة القاعدة. ثم سلم البلاد للميليشيات الشيعية التي شنت حملات القتل والتعذيب والتهجير بعد تفجير مرقد الإمامين في سامراء على يد إيران، كما صرح بذلك قائد القوات الأمريكية جورج كيسي. بعد أن قضت فرق الموت مهمتها خلا المشهد السياسي لحزب الدعوة المتطرف لقيادة دفة العراق نحو الهاوية. فمعلوم أن الحزب ديني وموال لإيران، وإيران لا تتقن استخدام القوة الناعمة لتحقيق نفوذها وليس لديها مضمون جاذب، سوى التشيع واللعب على الوتر الطائفي. إلا أن الحزب نجح في خلق بعبع القاعدة وداعش لإبقاء عشائر الجنوب حوله، والتي لم تتشيع إلا منذ مائتي عام للتهرب من تجنيد الدولة العثمانية التي لم تكن تجند سوى السنة، وبعد ضعف سيطرة الدولة العثمانية على العراق نشطت المرجعيات بين عشائر الجنوب للتمدد لأن الشيعة لم يكونوا إلا في حواضر معينة كالنجف وكربلاء والبصر والعمارة وغيرها.
حاليا عشائر الجنوب تشعر بالضجر فهي ليست طائفية، وتود العودة للحياة الطبيعية والتواصل مع عشائر غرب وشمال العراق، لكن حزب الدعوة وحلفاؤه من المرجعيات يحولون دون ذلك لإبقاء حكم العراق بيد الشيعة. هذه الحالة غير الطبيعية التي خلقها الاحتلال الأمريكي والتدخل الإيراني والأحزاب الدينية والمرجعيات، لن تصمد طويلا، فالعراق بلد نهري وحضاري وشعبه منفتح ولن يبقى هكذا إلى الأبد، فمثلا زعيم عشائر الجنوب كاظم عنيزان الطائي أعلن مرارا تبرمه من سياسات المالكي الطائفية، واتهم بأنه بعثي! لكن خوف العشائر من عودة القاعدة ومن قوانين الإرهاب يبقيها رهينة للنظام الطائفي. وحتى داعش التي أصبحت بعبعا، لن تجد حاضنة شعبية بين أبناء السنة؛ فالعراقيون لم تنتشر فيهم السلفية طيلة عقود، فكيف ينخرطون في مشاريع داعش الأشد انغلاقا؟! لكن المؤسف في هذا السياق أن الشيعة في الخليج انخرط كثير منهم في هذا الاستقطاب الطائفي، ولم يعوا ممارسات إيران ضد الأحوازيين العرب الذين لم يشفع لهم تشيعهم وطردها لمعارضين شيعة خليجيين في فترة سابقة، فما زال كثير منهم يعتقد أنه لا يستطيع ممارسة السياسية خارج كنف الطائفة، وكأنهم أسرى للنموذج الإيراني، ويغيب عنهم نموذج باكستان، تلك الدولة ذات الأغلبية الشيعية، والتي قدمت مصالحها القومية والوطنية على انتمائها المذهبي الضيق، فكانت أحد أبرز خصوم إيران التقليديين في المنطقة، وأحد أبرز حلفاء السعودية التي تتبنى المدرسة السنية السلفية في مفارقة عجيبة!