هل ينبغي التباكي على النفوذ العربي الضائع في أفريقيا أم التصدي للهجوم الإيراني المقبل بثبات على القارة السمراء؟ لا تتعجل عزيزي القارئ في الإجابة – لو تكرمت – قبل أن تعرف أن الإرهاب في أفريقيا له الأولوية الآن وبنفس القدر من الاهتمام في الشرق الأوسط الكبير.
أفريقيا هي الضفة الأقرب من البحر المتوسط بالنسبة لأوروبا، والبوابة الشرقية عبر الأطلنطي بالنسبة لأمريكا، والخطورة هنا تتجاوز الهجرة غير القانونية عبر البحار والمحيطات للشباب المحبط والبائس، أو حتى تهريب السلاح والنفط والأموال والمخدرات من قبل عصابات المافيا، إلى أمر جديد وغير مسبوق أعلن عنه قبل أيام مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي “إف بي آي” في سياق وضع اسم ليبان حاجي محمد على قائمة أكثر الإرهابيين المطلوبين للولايات المتحدة.
وحسب شبكة “سي إن إن”، فإن المطلوب الذي وضعت صورته وبياناته بحجم الشاشة، وهو من أصول صومالية 29 عاما، كان يعمل في السابق كسائق أجرة لسنوات قبل مغادرته أمريكا للانضمام لحركة الشباب الصومالية، وهو موجود بالفعل هناك.
مخاوف “إف بي آي” مضاعفة هذه المرة، وهي تتمثل في أن محمد قبل سفره إلى الصومال قام بتجنيد أفراد داخل الولايات المتحدة لصالح حركة الشباب ومن ثم فإن عودته لأمريكا وقيامه بتنفيذ مخططات إرهابية في البلاد أمر وارد (وهو الاحتمال الأضعف)، لكن الأخطر هو أنه يمكن أن يصدر أوامره من هناك – بأي وسيلة - إلى من قام بتجنيدهم لتنفيذ أجندة إرهابية يصعب وأدها في مهدها في أمريكا.
اللافت للنظر أن إيران طرحت نفسها بقوة – قبل أيام – لتقديم المساعدة والمشاركة في الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب في أفريقيا من أجل تحقيق السلام العالمي، دون اعتراض يذكر لا من القوى الغربية أو الدول الأفريقية، وكأن هناك موافقة ضمنية وضوء أخضر على هذا الطرح!إيران حضرت مؤتمر قمة الاتحاد الأفريقي وشارك فيها 40 رئيس دولة بصفة مراقب، ومهدت دبلوماسيا للتعاون الثنائي ومتعدد الأطراف مع بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي.
وكتب الصحفي أدامو شعيبو في صحيفة بريميام تايمز النيجيرية 31 يناير 2015 أن إيران طرحت خططا بالفعل للمساعدة في القضاء على جماعة بوكو حرام الإرهابية، كجزء من التعاون والشراكة الدولي.
وأعلن مساعد وزير خارجية إيران للشؤون العربية والأفريقية حسين أمير عبداللهيان أن “بوكو حرام وداعش وجهان لعملة واحدة وينتميان لنفس الفكر التكفيري المتطرف”، وذلك في مؤتمر صحفي عقد خصيصا على هامش القمة الأفريقية الأخيرة التي عقدت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا.
لكن الجديد هو تأكيد المسؤول الإيراني على أن بوكو حرام في نيجيريا، وحركة الشباب الصومالية في القرن الأفريقي لهما جذر واحد هو تنظيم القاعدة المنتشر في أجزاء كبيرة من الشرق الأوسط الكبير، حيث تستخدم نفس أساليب وآليات داعش في التمدد والعربدة في الحديقة الخلفية لإيران، لذلك فإن طهران – كما يقول اللهيان - مستعدة لتقديم خبراتها التي تراكمت عبر السنين في العراق ولبنان وسوريا وأجزاء أخرى من الشرق الأوسط، لمكافحة هذه الجماعات الإرهابية والقضاء عليها في أفريقيا لا سيما نيجيريا والصومال.
معروف أن مشاركة إيران قوات التحالف الدولي في الحرب على الإرهاب في العراق وسوريا – بشكل صريح وعلني – غير مرغوب فيها من معظم الحلفاء قبل إعادة ترتيبات الملفات العديدة والمتشابكة في المنطقة، وقبل إنجاز الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب في الأشهر القليلة المقبلة.
لا شك أن إيران استغلت الفراغ وسوء التنسيق والتعاون في مكافحة الإرهاب بين الولايات المتحدة التي انسحبت على عجل من العراق في 2011 وترددت حتى الآن في إسقاط نظام بشار الأسد في سوريا وبين الحلفاء السنة في المنطقة الذي وصل في بعض الأحيان إلى حد التناقض والتنافر في معالجة عدد من الملفات.
والأخطر من ذلك هو مواجهة داعش وغيره من الميليشيات الإسلامية المسلحة على اختلاف مسمياتها، ناهيك عن تضارب أهداف التحالف وتصادمها في كثير من الأحيان.
لذلك لم تفوت إيران الفرصة في أفريقيا، حيث التقطت مخاوف الغرب وليس مخاطر الإرهاب في القارة السمراء التي لا تمثل تهديدا جغرافيا مباشرا لطهران بأي شكل من الأشكال، ومن ثم عرضت خدماتها على الجميع وعلنا في هذا المحفل الدولي، فإذا لم تشكر على موقفها في مكافحة الإرهاب وتحقيق السلام العالمي فعلى الأقل سوف يذكر لها قادة أفريقيا هذا السعي!
مواجهة إيران للإرهاب في أفريقيا بين الشكر والذكر
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
