لم يتردد الرئيس الأمريكي باراك أوباما، في القول للعراقيين، ولتيار نوري المالكي أولاً، ما معناه، إن استغاثتكم بنا، من خطر المجموعات المسلحة المتطرفة، وفي طليعتها “داعش” لن يلقى استجابة منا، قبل أن تعدلوا أوضاعكم وأن تغيروا نهجكم، وأن يكون لديكم مشروع لجمع كل العراقيين في بوتقة الدولة الواحدة، التي لا تميز بين أبنائها، وأن تقلعوا عن التباغض المذهبي وعن المشروعات الطائفية. وربما ظل باقي الشرط، لأحاديث الغرف المغلقة وخطوط الاتصال. فهناك الكثير بين السطور، في ردة فعل واشنطن على سيطرة “داعش” وأخواتها، على مناطق واسعة من العراق. أوباما يلمح إلى أن أمريكا ليست غافلة عن كون تيار نوري المالكي، يطلب الحماية من واشنطن، لكي يستقر ويخدم المشروع الإيراني الطائفي. فمع تمدد المجموعات المتطرفة، فيما يشبه الكارثة؛ لم يعد الأمريكيون يكتفون بتقاسم النفوذ مع الإيرانيين في العراق، لأن حماية النظام السياسي الموالي لإيران، تتطلب هذه المرة، أكثر من تقاسم النفوذ مع إيران في العراق. فواشنطن تريد طواعية كاملة في مفاوضات الملف النووي، وموقفاً أكثر توازناً حيال الصراع في سوريا.
ظاهرة “داعش” والمجموعات المتطرفة، لم تكن إلا نتاج سياسات حمقاء مسكونة بنزعات طائفية واستبدادية. وجاءت الأحداث الأخيرة، عبرة لكل من يريد أن يعتبر. عربدة ومنحى أكثري مستبد، في العراق، يدعمه الإيرانيون، فيستحث غضباً أقلوياً سُنيّاً، يضخ إلى البؤرة القصوى على الطرف النقيض، شباباً لهم دوافعهم وأسبابهم في موضع الإقصاء. واستبداد أقلوي يُدمي الأكثرية في سوريا، بدعم إيراني أيضاً، فيستحث غضباً يضخ شباباً إلى البؤرة القصوى على الطرف النقيض، ولهؤلاء أسبابهم في موضع الألم والموت. وما هي النتيجة؟ الدم والضياع، وأزمة عميقة خانقة للمشروع الوطني الديموقراطي، في كل من العراق وسوريا، ومشاهد “داعشية” يندى لها الجبين، ويتأذى منها الإسلام، وتُزهق فيها أرواح المسلمين، ووطنان يتفتتان!
كان المشروع الوطني الديموقراطي في العراق، هو ضمانة السلم الأهلي وقوة الدولة في وجه الإرهاب وجماعاته المجنونة. أما المشروع الطائفي الإقصائي والثأري الذي يطال مجاميع من طائفة السُنة، التي لا ذنب لها في كل ما حدث في تاريخ العراق؛ فهو لم يكن خائباً وحسب، وإنما أخفق تماماً في حماية حتى مواطئ أقدامه من المفخخات، اليومية في الشوارع والحُسينيات والمراكز المدنية والأمنية والعسكرية. وبدل التحايل بصيغة أو بمقاربة منطقية، لإرساء قيم العدالة والمواطنة؛ ساندت إيران رموز المشروع الطائفي، وبذلت من مقدرات الشعب الإيراني، ما يضمن تعويم هذه الرموز من جديد، وإبقاءها في الصدارة. وأهدي هذا التعويم لواشنطن، لتحسين الموقف التفاوضي لطهران حول الملف النووي. وصدقّت هذه الرموز أنها تضطلع بدور تاريخي سوف يُكلل بالفوز المُبين. في السياق، استدعيت صيحات التقاتل قبل أربعة عشر قرناً، وطفت كل التفصيلات الكربلائية، كأن فيها الجواب الشافي، على معضلات اليوم. استُعيد الماضي المضطرب، لكي يسترشد به الساعون إلى الهناء في الحاضر. لم يفلح هذا المنحى المعتوه، إلا في استثارة ماضٍ أشد منه مضاضة، وأكثر منه استهتاراً، بقيمة الحياة والوئام الأهلي والروح البشرية!
ولماذا حقق المشروع الطائفي في العراق، خيبة لنفسه بهذا الحجم الفادح؟ ولماذا نجح المشروع المضاد، المشابه له في القبح والمساوي له في الضغينة والمعاكس له في الاتجاه؛ في أن يتهدد مواطئ أقدام رموز المشروع الأول؟ لأن العراقيين انقسموا بين سُني متألم وقلق على مصيره من المشروع الأول، وشيعي مستَهدَف وقلق على حياته من المشروع الثاني. من هنا، لا تجد “الداعشية” الثغرات التي تنفذ منها وحسب، وإنما تكون بصدد مسرح عمليات سهل، فيه الكثير من غير المعنيين، بإحباط عمليات تفجير الحُسينيات ومراكز الدولة، وإن كانوا غير متواطئين مع قوى التطرف!
استقطبت “داعش”الكثير من الشباب العراقيين والعرب والمسلمين، بسبب الميل التاريخي لدى أهل السنة العراقيين، للوحدة مع محيطهم العربي السني، تحسباً من التواصل بين إيران والأكثرية الشيعية في بلادهم. وبالتوازي، أقدمت إيران والنظامان العراقي والسوري، على تنفيذ عملية أمنية معقدة، فأطلقا العنان لـ “داعش” دونما إعطاء أولوية لمصير العراق، وهذا ما جعل المالكي يتلعثم ولا يقوى على المصارحة بعد أو وقعت الفأس في الرأس. فقد جرت عملية مسرحية، لإطلاق 500 سجين من “داعش” منهم عشرات القادة العسكريين. كانت “عملية تحرير” وهمية لسجناء “أبو غريب” الأشد إغلاقاً وحراسة عسكرية. كان يراد خلط الأوراق وتغيير المعادلات، لكي يصطبغ المشهد كله، بجنون يحمل صفة المجموعات الإرهابية، ما يحنن قلب الأمريكيين على الجانب السوري الرسمي في الصراع، ولكي يضيع أصل المشكلة، وهو حرية الشعب السوري وانعتاقه من قيود الديكتاتورية الطائفية!
خلفيات المشهد العراقي المعقد
عدلي صادق4 دقائق للقراءة

حجم الخط
