من يضمن أن نسبه خالص منذ اللحظة ورجوعاً حتى بداية تكوين الجنس البشري!؟. هذا سؤال كان يستحيل الإجابة عنه بدقة في السابق، لذلك سمعنا في مجتمعاتنا عن الجنس الخالص، والسلالة النقية، والتي لا يشوبها شائبة، وانتصبت على جدراننا أشجار النسب، لأسر وعشائر وقبائل لا يُعرف زيفها من صحتها.
ويتدخل العلم، والتقنية الحديثة، ويحصل العالمان (واتسون وكريك وموريس)، على جائزة نوبل في الطب لاكتشافاتهم في حقل الموروثات الجينية سنة 1962م. ثم يكتمل العقد باكتشاف الشفرة الوراثية، أو ما يسمى بالحمض النووي الريبوزي المنقوص الأكسجين (دي إن أيه)، والذي استطاع بجدارة ودقة وتمكن من رسم الخصائص العامة والخاصة للجينات البشرية بحيث إن خريطة (الجينيوم البشري)، تستطيع تمييز نسبة وجود أي عرق قديم أو جديد في مختلف الأنساب.
وقد حددت التقنية أن فصائل البشر تنقسم إلى مجموعات رئيسة متشابهة في الجينات تعود لأجناس بشرية معينة، وينحدر عن كل مجموعة عدة أقسام أصغر، وأكثر تحديداً، وبدراسة كنهها وما حدث عليها من تحورات يصبح من الممكن تحديد المنطقة، التي نشأ منها كل بشر، والنسبة المئوية لاختلاط جيناته مع جينات أهل المناطق، التي تزاوج فيها أسلافه الأصليون، والتحديد يكون معتمداً على نسب الأم، فيمكن أن نحدد أن هذا آري، أو زنجي، أو عربي، ويمكن أن نحدد هل هذا العربي أصلاً من العراق أو من منطقة معينة في الجزيرة، أو من بقعة معينة في أفريقيا، وتصل دقة التحديد إلى ما هو أبعد من ذلك، بحيث إنك تستطيع اكتشاف نسب تكوين عرق الشخص، بأن يقال مثلاً إن فلانا من الناس 30% قحطاني، و20% عدناني، ويوجد في سلالته نسبة 10% سوداني، ونسبة 5% من أصل شامي، و2% من أصل هندي، أو إثيوبي، وهكذا!.
وقد يعتبر الإنسان الغربي ذلك أمراً مدهشاً، ومشوقا بأن يكتشف حقيقة عرقه، وهل تداخل بعرق، أو بعدة أعراق، ولو قبل آلاف السنين.
وربما يكون ذلك بزواج أو نتيجة سبي، أو اغتصاب أو خيانة تمت بين أحد أسلافه، وشخص من عرق آخر أدى إلى نقص نسبة الصفاء في عرقه. وربما تتداخل أعراق أخرى عديدة، مما يجعل أصله متنوعاً بتنوع من تلاقحوا مع سلالته القديمة.
ولكن ذلك قد يعتبر قاتلاً في نظام العشائر العربية، التي ترفض مجرد التفكير في أن يكون قد خالطها أي عرق آخر!. لذلك فتلك التقنية لا يمكن أن يرضاها العرب ببساطة، ولا أن يصدقوا بما سيرون فيها من عجب، وتباين قاصم للظهر، فما معنى أن يكون في سلالتهم نسبة معينة من عرق آري، أو إثيوبي، أو قوقازي، أو غيرها.
وعندها كم من أشجار الأنساب ستختفي، وكم من السلالات ستنكر، وكم من الكذبات ستندثر؟.
وقد عقد مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة التعاون الإسلامي في مدينة الرياض محرم 1435هـ، مؤتمراً تم فيه تحديد شروط استخدام تلك التقنية وبسرية تامة، ولأغراض شرعية، وبدون أن يقع من استخدامها أضرار أكبر من الفوائد المرجوة، وأن لا تؤدي نتائجها لعنصرية، أو نكران لنسب، أو تشويه للصورة العامة للأشخاص والمجاميع.
ورغم كل ذلك، فالزمن يمضي للأمام، والتقنية تتطور، بحيث إن كثيرا من الأغنياء سيقومون بالبحث عن ذلك لمجرد الفضول، وكنوع من التسلية، أو تأكيداً أو نفيا لبعض شكوكهم.
الأمر ليس من الصعوبة في شيء، ومن الممكن الحصول على المعلومة المطلوبة بشعرة، أو منديل يحتوي على خلايا أو سوائل من الشخص المطلوب الكشف عنه.
وتقنية العصر تتقدم، والعودة للخلف مستحيلة، والخوف كل الخوف أن تصبح التقنية من السهولة بحيث تصبح في هواتفنا، وبمجرد أن نلتقط صورة لأحدهم، فنعرف أصله وفصله، وربما نرسل له رسالة بالنتيجة، وبالنسب المئوية، لأن أغلبنا مجتمعات غريبة، فعند حصولنا على نتاج علمي، لا نستخدمه إلا للأذية.
زعزعة صروح الأنساب
شاهر النهاري3 دقائق للقراءة

حجم الخط
