يقول المفكر الألماني آرثر شوبنهاور: «من النادر أن نفكر فيما نملك، بل نحن نفكر فيما ينقصنا». كيف تجبر السلطة على حماية المجتمع من الأفكار الهدامة والمتطرفة والمتشددة، والخارجة عن الثوابت والأخلاق والقيم؟ بأن تسن قوانين تعالج النواقص التي لم نفكر فيها. فمثلاً لا بد من قوانين عقابية لمنع الشباب من لبس السراويل القصيرة التي تخدش الحياء العام، وبخاصة الذين يسيرون في الأسواق العامة والشوارع والميادين. لا بد من قوانين تحمي المجتمع من لهب ثورة الملابس غير المحتشمة والمتخلية عن الخلق الإسلامي بألا يكشف الرجل ما فوق ركبته. ونحن كأفراد بالمجتمع لا نكلف أنفسنا بمراقبة أبنائنا خارج المنزل، ولم نكلف أنفسنا بعقلنة المشهد المجتمعي الذي أصبح يتأبى على التحليل العقلي الهادئ. كانت عقول أجدادنا وآبائنا تحاول أن تستوعب المتغيرات المتسارعة وتجاري الأوضاع وتحترم ما لها وما عليها. فكانوا يدفعون بالأخلاق والقيم والمثل والثوابت أمام كل تطور مجتمعي بمختلف أنواعه إلى الصدارة من الإجراءات. وكانوا يقدرون ما يتصاعد به التغيير المجتمعي لقناعتهم أن ذلك يساعدهم على وجود قوة أخلاقية تظهر الاحتشام في الملابس والأزياء، وأن تلك الأخلاقية تبعث المدد اللامحدود الذي كان يأتي من التشريعات الدينية في هذا الجانب، وذلك للتحذير من خطر التغيير المقبل. وكانوا يعتبرون ذلك التغيير مؤامرة من الحضارة الاستهلاكية الغربية.
أما نحن فنقف صامتين أمام اختراق ملابس وأزياء أبنائنا وبناتنا للقيم والثوابت والأخلاق، مما ضاعف تحذيراتنا مع المد الاستهلاكي الغربي المتدافع، وذهبت صيحاتنا وتحذيراتنا أدراج الرياح. بفضل ضعف القوانين المنظمة للتجاوز والخروج الأخلاقي. لقد أوقعنا أنفسنا بغباء عواطفنا وضعف تحليلاتنا في فخ القبول بالجديد الذي دخل علينا بشعار التطور والرقي. ولكننا سرعان ما استبدلنا كل ذلك بقولنا إن طريق الخلاص يبدأ بأن نؤكد من جديد ضرورة وضع قوانين حازمة صارمة لتنظيم الملابس والأزياء. كما يفعل الغرب حين يمنع دخول أي إنسان حفلات الأوبرا إلا بالزي الرسمي. بل إن أنظمة صالات القمار لا تجيز دخولها إلا بلباس رسمي. الحاجة والوقت والضرورة والمرحلة والتسيب والفساد الأخلاقي تتطلب وضع ما دعوت له من فرض قوانين. فنحن نملك الأخلاق ولكن ينقصنا تطبيقها.
والله يسترنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض، وساعة العرض، وأثناء العرض.
القانون قبل الملابس
زهير كتبي2 دقائق للقراءة

حجم الخط
