كنت في الرحلة الجوية الصباحية 1002 المعتادة الرابطة بين الجزائر وباريس. كنت منهمكا في القراءة والكتابة كما هي عادتي لنسيان المسافات. فجأة رأيت طفلا يتقدم نحوي بعينين مبتسمتين، وهو يقول: عمو واسيني أنا أعرفك. رأيتك في التلفزيون في حصصك الأدبية وقراءتك. هل يمكن أن تكتب لي كلمة على الورقة. للأسف كل كتبك في بيتنا ولا أحمل معي أي واحد منها. سألته هل تريد الكلمة بالعربية أم بالفرنسية؟ أجاب كما تريد عمو. أصررت. قال: أتقن الإنجليزية والإسبانية والفرنسية ولكن أكتب لي بالعربية. فهي لغتي التي أحب. أن تكتب لبالغ سهل. تعرف لغته. المشكلة هي ماذا تكتب لطفل فاجأك بحبه؟ إما أن تعطيه درسا تعليميا ثقيلا في القراءة والانتباه لدروسه وفي هذه الحالة تشبه الوالدين والمعلم، أو تمنحه شيئا آخر ينتظره منك. لا أدري هل أفلحت أم لا، ولكني كتبت له ما انتاب قلبي لحظتها: في الدنيا طيور جميلة حتى عندما تتعب لا تنزل ولكنها تقاوم التعب وتواصل رحلتها حتى النهاية. أتمناك ذاك الطائر الملون. نذهب نحو القراءة لا لكونها تعلمنا المفردات والكلمات الجديدة، هذه نجدها في القواميس ولكنها تفتح أمامنا القارات المغلقة الذي نرتادها بحرية ولا نحتاج فيها لأي جواز سفر ولا لأية فيزا ولا لإذن من أحد. ثم نسكنها أياما، شهورا، سنوات وربما العمر كله. وكلما اشتقنا لها تخبأنا في خلجانها الجميلة فهي تمنحنا الحب والراحة والأمان، واليقين بأن الحياة جميلة وتستحق أن تعاش. لا شيء يضاهي فعل القراءة. فجأة أضفت للطفل محمد هذه الكلمات في الإهداء: دمت لي حبيبا وجميلا يا محمد. ابتسامتك نور. اتركها على وجهك حتى في أصعب الظروف. ثم أرجعت له الورقة. كان في قمة سعادته. وضع قبلة على خدي الأيمن ثم انسحب نحو مكانه يقرأ الإهداء. كانت الطائرة قد بدأت في الهبوط. أجمل حظوظ الكاتب أن يأتيه طفل مثل محمد ويعطيه درسا في القراءة وحب اللغة، داخل اليأس المعمم. محمد يحب لغته، ولا يكره اللغات التي تعلمها.
إهداء غير معتاد
واسيني الأعرج2 دقائق للقراءة

حجم الخط
