تعتمد الصحف السعودية كثيرا على صفحات الرأي للوصول إلى القارئ، فقد أصبح التميز في الأخبار الخاصة صعبا في عوالم مفتوحة، وندرة الصحفي الذين يقدم موادا صحفية مؤثرة وعميقة. كيف ترى الصحف السعودية نفسها، وكيف يرى كتاب الرأي أنفسهم بعد كل مرحلة سجالية حول قضية معينة؟ يساعد على هذه الرؤية وجود دراسات متخصصة ومهنية حول أكثر من موضوع تناولته الصحف بين مرحلة وأخرى، تفحص هذا الأداء وتضعه أمام القارئ. تبدو الدراسة التي قدمها الكاتب والباحث سعد المحارب في كتابه “نقائض الكاشيرة: مراجعة سجال صحفي في السعودية” مرجعا رصينا، ربما لا يظهر مباشرة من الغلاف والقضية التي تبدو قريبة من الذاكرة، فهذا النوع من الأعمال تزداد قيمته بمرور الزمن.
ومع أن الكتاب يتناول قضية عمل المرأة السعودية كمحاسبة في الأسواق فإن الأرقام التي قدمها الباحث والإحصائيات عن هذه المقالات تبدو مهمة لكشف العديد من المظاهر في أداء صحفنا، وكتابنا بصورة عامة في تناول القضايا الاجتماعية، والظروف التي تؤثر على كل صحيفة لتجعلها أكثر اهتماما بهذا الموضوع أو تجاهلا له. وقد اختار الباحث هذه القضية لعدة عوامل أشار لها في البداية أبرزها “أن تكون قضية تحتمل فيها الصحافة السعودية نشر الآراء والمواقف المتعارضة”.
تميزت الدراسة في جانب حيوي وهو الأرقام التي قدمها الباحث بطريقة أكاديمية. المادة الرئيسية للكتاب هي عرض مقاطع مطولة من هذه المقالات قد لا تحتاج معها الرجوع إلى المقالات الأصلية. ميزة الخلاصات الرقمية أن أهميتها تجاوزت موضوع الكاشيرة والخلاف حولها إلى جوانب مختلفة حول صحفنا.. ففي مرحلة الذروة السجالية التي رصدها المؤلف وجد أنه نشر بمعدل يقارب الأربع مقالات يوميا (3.93) خلال 29 يوما، ونشر 75 مقالا في الأيام التسعة الأولى من هذه الفترة التي اختارها. وهو مؤشر إلى حالة إغراق يقع فيه بعض كتاب الصحف أحيانا ويتكرر في قضايا أخرى. والأرقام التي تستحق التأمل والوقوف عندها كثيرة، وكنت أتمنى أن الباحث وضعها في جدول واحد ليطلع عليها القارئ ويضعها مباشرة أمام أرقام متنوعة قد تضيع بين السطور.
هناك أرقام عن بعض الصحف تعبر عن موقفها، وهي تبدو غارقة في طرح كتابها حول القضية، وهناك صحف أقل، وهناك شبه مقاطعة عند صحيفة للموضوع حيث لم ينشر فيها سوى مقال واحد، ويمكن تفسير ذلك بسبب خاص بها. وبالرغم من أن الباحث مثقف وصحفي فإن أكاديميته هنا غلبت في هذا الكتاب، ولهذا يبدو منهجيا في تحليلاته ومتحفظا.. إلا أنه نجح في الخروج منها أحيانا عبر تحليل ووصف يحضر فيهما المثقف الصحفي. هناك سياقات سياسية داخلية حول القضية منذ بدايتها المبكرة التي أشار لها 2006 إلى الفترة الأخيرة، ويبدو مهما استحضارها، فقد تساعد القارئ البعيد عنها زمنيا فيما بعد لفهم بعض الظواهر التي فرضت الكثير من المواقف واختلافها بين مرحلة وأخرى وصحيفة وأخرى. ويبدو لي في هذه الدراسة الثمينة غياب الرؤية المحافظة جدا والمعارضة بقوة لهذا العمل، والتي لا تتحمل صحفنا نشرها، وتنشر عادة في مواقع وصحف الكترونية خاصة بهم، واستحضارها يوسع الرؤية للقضية.
بعد شروع الباحث في جمع المقالات وتحليلها وجد أنها “حالة كاشفة لانعدام الحوار، فقد اكتشفت مع توالي القراءة أن ما يجري في المقالات أشبه بمناظرة انتخابية تستهدف تأكيد موقف المؤيدين وكسب المترددين. إنها محاولة مستمرة لبيع الرأي للجمهور”، “والمبالغة باعتبارها أسلوبا لإقناع الجمهور بتبني موقف الكاتب من القضية، فأولا ينبغي لك أيها القارئ أن تكون مع الأغلبية، أو على الأقل أن تعلم أن الأغلبية لها هذا الرأي”، وهي تعبر عن ما أشار إليه حول “مقال إعلان الموقف”، “وهو مقال يعلن فيه الكاتب موقفه من القضية المطروحة لكنه لا يزود القارئ بأكثر من موقفه، إذ تغيب المعلومات أو تنحصر في القدر المتداول على نطاق إعلامي واسع قبل المقال”. تدخل القضية الاجتماعية الجدلية إلى صحفنا في رأيه “عبر حدث مثير يمر إليها من بوابة الخبر” قبل بدء أي موجهات مقالية.