هناك اتفاق عالمي على أن الوضع في العراق خطير ويتدهور بسرعة. وهناك اتفاق مشابه على أنه ليست هناك رغبة في التدخل الخارجي لوقف هذا التدهور. لا الولايات المتحدة ولا أوروبا ولا أي دولة أخرى سترسل قوات إلى أي مكان مهدد في العراق. بعد أكثر من عشر سنوات من الحروب الفاشلة في العراق وأفغانستان، ليس هناك دعم شعبي أو سياسي للتدخل في أي مكان في العالم –لا في سوريا ولا في ليبيا ولا في شمال العراق. مع أن ذلك مفهوم تماما، أعتقد أن هذا الأمر خطأ كبير وخطير للغاية.
هذا ليس لأنني أرى خطرا مباشرا ووشيكا من أسلحة الدمار الشامل أو حتى من خطورة تحول المجتمعات الإسلامية إلى التطرف وبالتالي وصول هذا التطرف إلى أوروبا أو باريس أو واشنطن. السبب الرئيس والمباشر للتدخل هو، بكل صراحة وبكل أسف، استمرار اعتمادنا على استيراد النفط من منطقة الشرق الأوسط. هذا ليس سببا إنسانيا بطوليا للتدخل، لكنه مصلحة استراتيجية وطنية لكثير من الدول في شتى أنحاء العالم.
بالرغم من الضجة والمبالغات حول النفط الصخري، تحتاج الدول المتطورة والنامية على حد سواء إلى النفط وسوف تستمر حاجتها إليه في المستقبل المنظور. الطلب العالمي سيكون بين 90-100 مليون برميل يوميا على مدى العقود القليلة القادمة. جزء لا بأس منه من هذا النفط سيأتي من العراق ودول الخليج. في الوقت الحاضر، طالما أننا سنستمر في قيادة سياراتنا، ليس هناك بديل عن النفط، وليس هناك مصدر بديل للنفط بهذه الكميات. يوما ما سوف يتغير هذا لكن ذلك اليوم لا يزال بعيدا.
إلى أن تتوفر البدائل، فإن من المصلحة الاستراتيجية للدول المستوردة للنفط – أمريكا وأوروبا واليابان والصين- حماية استقرار هذه الإمدادات. ما يحصل في الموصل يمكن أن ينتشر إلى الجنوب والشمال، مما يهدد ويردع الاستثمار في المنشآت النفطية الموجودة والجديدة في جنوب العراق وفي كردستان. الشبه المقلق مع ليبيا، حيث تستمر الصراعات الداخلية في جعل الإنتاج أقل من الاستطاعة الفعلية للبلد، لكن العراق أهم بكثير لمستقبل سوق الطاقة من ليبيا. بحسب أرقام الوكالة الدولية للطاقة، إنتاج العراق يمكن أن يرتفع إلى حوالي 8 ملايين برميل في اليوم خلال العقدين المقبلين، وهذا ضروري للإمدادات العالمية. كذلك الأمر بالنسبة للنفط من الدول المجاورة للعراق مثل السعودية والكويت وإيران، والتي يمكن أن تنجر بسهولة إلى صراع إقليمي مفتوح قد يأخذ شكلا طائفيا.
أمن الطاقة العالمي تعرض لإهمال كبير من قبل الحكومات الغربية. من النادر مثلا أن يناقش مجلس الأمن القومي في بريطانيا هذه القضية، وليس هناك مسؤول مباشر في الحكومة البريطانية يتحمل مسؤولية كاملة لمتابعة ما يجري. قال لي أحد كبار المسؤولين البريطانيين إنه إذا أراد الوزراء أن يعرفوا شيئا عن قضايا الطاقة العالمية، يتلقون نصيحة بأن يقرؤوا صحيفة فاينانشال تايمز. هذا أمر مقلق عندما يتعلق الأمر بقدرات الحكومة البريطانية. الوضع في الدول الأوروبية الأخرى ليس أفضل بكثير. الحكومة الفرنسية قلقة بشأن شمال أفريقيا، لكن الوحدة المهمة في وزارة الدفاع الفرنسية يتم إغلاقها لأسباب تتعلق بالميزانية. وكما بينت الأزمة في أوكرانيا، الاتحاد الأوروبي كله كان متأخرا في فهم مدى اعتماده على إمدادات الغاز الروسية،
لذلك فإن هناك أسبابا مهمة تدعو إلى التدخل – ولكن هل يمكن أن ينجح مثل هذا التدخل؟ مرة أخرى، مع أن هذا لا يتوافق مع التوقعات، الجواب هو نعم.
المهمة ليست تحقيق انتصار في الحرب، ولكن للحفاظ على النظام ومنع تحول العراق إلى دولة فاشلة. الدور يتعلق ببناء القدرات – شيء بدأ بالفعل ويجب عدم التوقف عنه فقط لتلبية برنامج انتخابي في بريطانيا أو الولايات المتحدة. التحدي لا يتعلق بتحول مباشر إلى الديمقراطية، ولكنه حول تحديد قادة محليين يتمتعون بمصداقية ودعمهم؛ ليس لمدة أشهر قليلة ولكن على مدى سنوات وربما عقود قادمة.
إن الهروب بعد حربين فاشلتين سهل، لكن التكاليف بعيدة المدى يمكن أن تكون عالية جدا. خلال عشر سنوات من الآن، ربما يكون تحقيق «تشلكوت» في بريطانيا حول الحرب العراقية لا يزال قائما. إذا لم يكن الأمر كذلك، فستتم الدعوة إليه مجددا. لن يكون السؤال في ذلك الوقت عن الأسباب التي جعلتنا نخوض الحرب في العراق في 2003 ، ولكن كيف لم نتدخل في 2014، عندما كان التدخل ضروريا جدا، دون دراسة المخاطر والتكاليف على المنطقة وعلى أنفسنا.
يجب التعامل مع الوضع في العراق
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
