الذي يعرف حاجة المكتبة الطبية العربية للمؤلفات الطبية التي تعتمد على المراجع والأبحاث الحديثة المدعمة بالنظريات الآمنة الجديرة بالثقة، يفرح بإصدار علمي كهذا مكتوب باللغة العربية في شأن طبي مهم يتعلق في الأصل بمسائل صحية حساسة لها تبعاتها الجسمانية والنفسية على الفرد والمجتمع، على خط متواز مع ما تشكله من أهمية للمنظمات الصحية من حيث الرعاية والتكلفة التي تتصاعد كلما تقدمت الحالات المرضية.
أعترف في البداية أنني لا أملك من المعرفة العلمية الدقيقة على الإطلاق التي تؤهلني للخوض الواسع في تفاصيل كتاب الدكتور عقيل الغامدي «أمراض الكلى - الأعراض، العلاج، الوقاية»، بما يعطي الصورة الكاملة. هذه حقيقة يعرفها جل الزملاء على الأقل، ولكنها بالتأكيد لا تلغي سروري بدخول هذا المؤلف تحت توقيع «طبيب سعودي» إلى المكتبة الطبية السعودية التي أؤمن بأنها بحاجة ماسة إليه وإلى المزيد من المراجع الطبية الحديثة المحكمة في هذا المجال وغيره من التفرعات الطبية الأخرى، للإسهام في رفع مستوى الوعي المجتمعي بالأمراض ومقاومتها وقائيا، ورفع مستوى التثقيف الصحي بين العاملين في المنظومة الصحية. وهذا من الأهمية بمكان إلى جانب تيسير وقوف الأطباء على العمليات التشخيصية والعلاجية التخصصية والوصول إلى المستجدات، حتى يمكن لهم الانطلاق من حيث وصل الآخرون في إدارة العمليات السريرية، بما يعظم الفائدة العلاجية ويحقق سلامة المرضى.
في العموم، الواقع يقول إن أمراض الكلى في السعودية تحتل مكانا بارزا في خارطة الأمراض، ويزداد الأمر سوءا كلما وصلت إلى درجة «أمراض الكلى المزمنة» التي تشير إليها منظمة الصحة العالمية بالتحدي الرئيس للرعاية الصحية في العالم.
على المستوى المحلي ثمة تحذيرات من الأطباء المختصين في هذا المجال، وقد أطلقوا إشارات واضحة لغرض التنبيه إلى التزايد المستمر في أعداد المرضى الذين يخضعون لغسيل الكلى في السعودية، على امتداد السنوات الماضية، وأشاروا أيضا إلى أنه استنادا إلى المعدلات في الوقت الحالي يكون من المتوقع أن يتجاوز العدد 15 ألف مريض في نهاية عام 2015 ، أي بزيادة تعادل 8.2%. وجود مثل هذا الوضع الصحي بكل تأكيد يحتاج إلى دراسات وبحوث تستخلص التجارب وتعزز التثقيف الصحي في المجال المهني، ولا سيما أن قوائم انتظار مرضى الغسيل الكلوي وزراعة الكلى آخذة في التصاعد كما تشير بعض المراجع المحلية.
الدكتورعقيل، كما يبدو لي، جاد في قناعته بضرورة تمتين ثنائية الفهم البين والتعاون المشترك بين المريض وطبيبه، وهذا إلى حد بعيد يعكس إدراكه لأهمية دخول بوابة الوقاية من خلال جادة الثقيف والتوعية ومحاولته تعزيز هذا المبدأ، حيث يقول: إن كتابه «يهدف إلى نشر المعرفة وتيسير وصولها إلى القارئ، كما يهدف إلى رفع الحس الثقافي والمخزون العلمي لأمراض الكلى وأعراضها ومسبباتها وطرق علاجها لدى المرضى والمجتمع»، ثم يستطرد ويذكر أنه يركز على التثقيف الصحي بشكل أساسي لرفع مستوى التوعية الصحية.
الكتاب يحتوي على 42 موضوعا طبيا تشمل الأعراض والمسببات والوقاية والعلاج، وتتطرق في نفس الوقت إلى أمراض الكلى من حيث الحالات المرضية: الفشل الكلوي الحاد والمزمن وكذلك الغسيل الكلوي، وفيها تبيان لعلاقة الكُلية بالأدوية والحمل والبيئة والسموم.
ويبقى من أهم أهداف الكتاب، إلى جانب غايته العلمية المطروحة باللغة العربية لتسهيل تواصل الأطباء مع المادة العلمية بطريقة ميسرة، أنه يهدف إلى ثقيف المجتمع للتعرف على أمراض الكلى والكشف المبكر عنها والوقاية منها.
في الختام أتمنى على وزارة الصحة وقد تبنى أحد منسوبيها مع صعوبة البحث وتتبع المراجع وضغوط العمل هذا العمل المهني الإنساني، وأظنه غير مسبوق، أن تعمل على إيصاله إلى المجتمع لتعزيز الوقاية، وأيضا تنشيط تداوله في الأوساط الصحية لتقوية وتوسيع المعرفة.