بين موازنة متحفظة وأخرى توسعية وثالثة متوازنة تباينت آراء مختصين تحدثوا لـ”مكة” حول ما هو الأنسب للاقتصاد السعودي في المرحلة المقبلة.
ففي حين يرى فريق الاستمرار في التوسع بالإنفاق ووفق معدلات مرتفعة، يشير آخرون إلى أن التحفظ ربما يكون عنوان المرحلة المقبلة خاصة مع تراجع أسعار النفط وعدم اليقين حول المدة الزمنية التي سيحتاجها ليعود مرة أخرى إلى مستوياته المقبولة، ويرجح فريق ثالث الموازنة المتوازنة والتي تجمع بين النمو المقنن وفي ذات الوقت التركيز على النفقات المهمة.
ورغم تباينهم حول نوع الموازنة إلا أنهم رأوا أن القطاع المصرفي المستفيد الأول من الموازنة العامة للدولة 2015، باعتباره المحرك للسيولة في المشاريع الحكومية والخاصة، مشيرين إلى أن سوق الأسهم انعكاس حقيقي للاقتصاد وهو الوعاء التي تصب فيه الشركات المرتبطة بالاقتصاد، مضيفين أن جميع الشركات في سوق المال ستستفيد إيجابا وسلبا من الميزانية، إلا أن هناك بعض القطاعات تستفيد بنسب أعلى من الأخرى.

التحفظ أفضل

مدير عام خبراء البورصة عبدالرحمن الزومان، قال لـ”مكة” إن الميزانية الحكومية توضع بحسب متطلبات المرحلة، فالميزانية المتحفظة وهي التي طبقتها السعودية قبل أكثر من عقد وسميت في ذلك الوقت بميزانية شد الحزام، تلجأ إليها الدول عندما تكون في وضع مالي صعب وهذه الميزانية تقدر المصروفات بناء على ظروف اقتصادية صعبة، وذلك بهدف توقع دفع ما تم الالتزام به فقط في مرحلة سابقة كالرواتب والعقود وبلا خلق لديون جديدة مع توقف تام للمشروعات الجديدة وبالتالي توقف النزف الحاصل نتيجة تكلفة الدين المتمثلة في الفوائد على الديون والتي شكلت ما يقارب 25% من ميزانية الحكومة السعودية عام 2000.
وأوضح أن الميزانية المتوازنة تمثل الاستمرار في تحقيق معدل نمو اقتصادي مماثل للعام السابق، ففيها مشاريع جديدة بنفس معدل وحجم المشاريع في العام السابق، كما حصل في العام الماضي للحكومة السعودية 2013، في حين أن الميزانية التوسعية ميزانية تستهدف بالدرجة الأولى زيادة معدل النمو وخلق فرص عمل جديدة وتحسين الوضع الاقتصادي للدولة على المستوى الدولي، كما فعلت المملكة في الأعوام 2008 و2009 و2010 و2011 و2012 عندما كانت إيراداتها تتفق مع هذه السياسة.
ويفضل الزومان أن تتسم ميزانيات الأعوام المقبلة بالتحفظ مع معدلات نمو متوسطة، أي هناك استمرار بالمشروعات التي تم اعتمادها فقط في الأعوام السابقة وتمويلها من خلال إصدار سندات حكومية وسحب من الاحتياطي الحكومي بشكل بسيط دون استحداث مشاريع جديدة، مبينا أن المرحلة الاقتصادية المقبلة ستكون صعبة بسبب الظروف السياسية المحيطة.
ويرى أن القطاع المصرفي سيكون أحد القطاعات الأكثر فائدة من الميزانيات خلال الخمس السنوات المقبلة بسبب حاجة الدولة للأموال والمزيد من إصدار السندات الحكومية التي ستأتي على حساب السيولة ذات المعدل المتضخم في الاقتصاد السعودي وهو ما سينعكس على الاستثمار في الأسواق الأخرى كالعقار والأسهم، مبينا أن الاستثمار الأمثل خلال السنوات المقبلة في المصارف.
أما الشركات الأقل فائدة فيشير الزومان إلى أنها تشمل التأمين، التجزئة، الزراعة والصناعات الغذائية، الفنادق والسياحة، فهي تستفيد بطريقة غير مباشرة، معتبرا أن قطاع التأمين سيستفيد بشكل أكبر في حال تم تشريع النظام الإلزامي على الجميع، فضلا عن استفادته بطريقة غير مباشرة في التوسع في الإنفاق الصناعي مما يؤدي إلى زيادة التأمين المحلي.

استمرار الإنفاق

المتخصص في الاقتصاد العالمي عبدالناصر العتيبي، قال إن الموازنة توضع وفق حالة اقتصاد البلاد، وهي إما توسعية تتضمن زيادة حجم الطلب والإنفاق عن طريق زيادة الإنفاق الحكومي وتخفيض الضرائب، أو موازنة انكماشية أو المتحفظة ويتم من خلالها تقليص حجم الطلب والإنفاق.
وأوضح العتيبي أن السعودية اتخذت سياسة الموازنة التوسعية خلال أكثر من خمس سنوات ماضية مع تراجع التضخم والمحافظة على نسب النمو السنوية، مشيرا إلى مراعاة عدة عوامل مهمة في مسيرة الاقتصاد السعودي أبرزها ارتباط الريال بالدولار.
وأشار العتيبي إلى تراجع التضخم في السعودية بسبب ارتفاع الدولار، لكون غالبية أرقام التضخم السعودي “مستورد” على عكس الاقتصادات الكبرى ، مثل الأوروبي والأمريكي، الذي يكون التضخم لديه داخليا أكثر منه مستوردا، مبينا أن سياسة السعودية أكثر “حكمة” في تولي القرار بتبني سياسة التوسع في الإنفاق خلال السنوات الماضية.
وأضاف العتيبي أن الإنفاق التوسعي خلال السنوات الماضية ساعد الاقتصاد السعودي بشكل كبير في الابتعاد عن الأزمات الاقتصادية التي ضربت العالم وتجاوز الأوضاع السياسية المحيطة بالمنطقة.
ولفت إلى استمرار السياسة السعودية بتبني “الإنفاق الموسع” في ظل تراجع التضخم عند مستويات مقبولة 2.5% وارتفاع قيمة الدولار الذي سيقلل من مستويات التضخم المستورد، إلا أنه أشار إلى أن أسعار النفط تظل عاملا مقلقا للاقتصاديين، والذي سيقوض من عملية التوسع في الإنفاق، لذلك يجب خلال الفترة المقبلة تنويع مصادر دخل الدولة بدعم مشاريع الصناعة المتوسطة والتصدير.
وفيما يخص صناعات البتروكيماوية، ربط العتيبي هذا القطاع بشكل مباشر مع النفط، مبينا أن شركات هذا القطاع تتأثر بارتفاع وانخفاض النفط أكثر مما تتأثر بنوع الموازنة المعلنة، معللا ذلك بأن غالبية منتجات تلك الشركات تصدر خارجيا، أي علاقاتها بالخارج وليس بالداخل، مبينا أن الاستفادة من هذا القطاع ليس قصير المدى، بل استراتيجي للدولة على أساس ما تنفقه للصناعات الثانوية يؤدي إلى خلق سوق ثانوي محلي مواز لقطاع البتروكيماويات وبذلك يصبح الطلب محليا.
أما شركات الاستثمار المتعدد، والاستثمار الصناعي، فيشير العتيبي إلى أنها من بين القطاعات المستفيدة من الميزانية وذلك من خلال توفير منتجات للبنى التحتية التي تعمل عليها الدولة، حيث النظام الجديد يفيد بأفضلية صناعة المنتج المحلي في المشاريع المحلية، مما سيحرك الصناعة المحلية لزيادة الإنتاج في تلك المشاريع، مقدرا حجم الاستثمارات الصناعية في السعودية بنحو 850 مليار ريال.

المتوازنة الأنسب

الخبير الاقتصادي فضل البوعينين، ذكر أن الموازنة التوسعية تركز على زيادة الإنفاق لاستكمال البنى التحتية بشكل كبير كما حدث للسعودية خلال السنوات الماضية، بحيث تصدر الميزانية بحجم أكبر من التي قبلها.
بينما المتحفظة، بحسب البوعينين، فهي لضبط الحكومة من نفقاتها ومصروفاتها بسبب انخفاض في الدخل، مبينا أنه ربما تعمل الحكومة بالسياسة التحفظية أكثر بحيث تعيد حساباتها وأن تربط نفقاتها بالدخل المتوقع، إلا أن السعودية تعمل على ضبط الإنفاق العام والوصول إلى موازنة متوازنة أو ربما تضع ميزانية مع عجز مقبول يمكن تمويله من الاحتياطات العامة والتي ربما لا تتعدى سنة.
وأوضح أن لجوء الحكومات للموازنة التوسعية، عند وجود دخل مرتفع إضافة إلى احتياجاتها للبنى التحتية كما حصل في السعودية خلال السنوات الماضية بحيث أنفقت بشكل توسعي لاستكمال البنى التحية للبلاد.
ولفت البوعينين إلى أن السياسة المتوازنة للموازنة العامة تعتبر الأنسب للسعودية، والتي تعمل بها في حال الأوضاع الطبيعية والتي استفادت منها الحكومة من إيرادات كبيرة خلال السنوات الماضية وتعمل على استكمال البنى التحتية، مبينا أنه لتحقيق ذلك نحتاج إلى ضبط الإنفاق والدخل، إضافة إلى خفض نسب التضخم وهو عامل مهم لضبط الموازنات.
واعتبر البوعينين القطاع المصرفي، المستفيد الأول من الموازنات السعودية وخاصة في الموازنة التوسعية، بسبب أن جميع السيولة التي تضخ إلى السوق من خلال هذا القطاع من جانبين الأول السيولة المتاحة والثانية التمويل بحيث يكون موازنة توسعية ومزيدا من مشروعات التنمية التي تحتاج إلى تمويل من المصارف.
ولفت إلى أن قطاع البناء والتشييد من بين القطاعات التي تستفيد بشكل كبير، في حين أن قطاع النقل، من القطاعات التي تستفيد بشكل مستمر سنويا والتي تعتمد عليه غالبية القطاعات.