حان وقت الحزم لوضع نهاية للأزمة السورية والفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط. «داعش» أو الدولة الإسلامية في العراق والشام هي إحدى فروع تنظيم القاعدة، لذا فإن سقوط الموصل وتكريت وما حولهما هو (سقوط) من نوع آخر لأنه هزيمة للنظام الدولي الذي عجز عن إيجاد مخرج للأزمة السورية، وحتى لو تبين فيما بعد أن احتلال «داعش» للمدن الرئيسة في العراق كان موقتا وجزئيا - مثل احتلال أنصار الشريعة في «تمبكتو» قبل بضعة أشهر، فهو لا ينفي أنه انتكاسة هائلة لجميع القوى الفاعلة في المنطقة ناهيك عن القوى الدولية وفي مقدمتها أمريكا وروسيا.
الخلافات الدولية والإقليمية جزء لا يتجزأ من السياسة بالمعنى العام، لكن حين تصب هذه الخلافات لصالح تنظيم إرهابي لا يستهان به وله أهداف (ضد الجميع) تصبح هناك علامة استفهام كبيرة تبحث عن إجابة؟.
كيف أصبح تنظيم إرهابي مثل «داعش» يمتلك في غفلة من أجهزة الاستخبارات العالمية كل هذا العتاد والسلاح ليقوم بعمليات عسكرية متطورة إلى حد (ضم ثاني أكبر مدينة في العراق) بسهولة؟.
هل دخلنا عصر التنظيمات غير الدولية التي ستملأ فراغ غياب الدولة وتحل محلها؟
هل سيعترف العالم بتنظيم القاعدة وداعش والنصرة وأنصار الشريعة وغيرهم باعتبارهم لاعبين أساسيين في النظام الدولي الجديد؟
من الواضح حتى الآن، أن ما حدث في الأيام الماضية بانهيار دولتين هما العراق وسوريا، سيبقى أثره بالمنطقة والعالم لفترة طويلة. فاللافت للنظر ليس فقط المجازر التي يرتكبها هذا التنظيم الإرهابي، وإنما تدفق اللاجئين بأعداد هائلة عبر الحدود، ما يعني حدوث تغييرا ديموغرافيا وجغرافيا ليس فقط في العراق أو سوريا إنما بمعظم دول المنطقة مع بناء مخيمات جديدة لهم مثلما حدث مع الفلسطينيين في لبنان والأردن وغيرهما.
سلبية أوباما وراء انتصار الإرهاب
سقوط الموصل دعوة واضحة لا تحتمل التأخير لمعظم دول المنطقة والعالم بأن ننحي خلافاتنا جانبا لأننا أمام خطر مشترك للمرة الأولى! ولنبدأ بوضع الحلول العملية الناجعة للأزمة السورية التي عززت من وجود الإرهابيين من السنة ونظرائهم من الشيعة في جميع أنحاء المنطقة. ولتعترف إدارة أوباما أن القرار بعدم التدخل عسكريا في سوريا، بعد تردد مريب، كان واحدا من أهم أسباب استفحال هذه الأزمة وانتصار الإرهاب في سوريا والعراق معا، على الرغم من أن ذلك ليس السبب الوحيد لأزمات الشرق الأوسط بالقطع. لقد ثبت خطأ الحسابات الأمريكية في الأزمة السورية التي تخوفت من وقوع أسلحة أمريكية في أيدي الإرهابيين!
ما تم الكشف عنه حتى الآن في اكتساح الموصل أن تنظيم داعش يمتلك جميع أنواع الأسلحة المتقدمة ما أدى إلى انسحاب وتراجع (وهروب) الجنود العراقيين الذين دربتهم الولايات المتحدة. ويبدو أن ما غاب عن قادة الولايات المتحدة هو أن (تحفظ واشنطن) على توريد الأسلحة المتقدمة للمعارضة السورية يعني في النهاية أن دول المنطقة قد تضطر لأخذ زمام المبادرة وتسليح المعارضة بنفسها للخروج من النفق الطويل المظلم والبؤس الذي لا نهاية له للأزمة السورية.
تغيير الأوضاع
صحيح أن ذلك يظل في دائرة الاحتمالات حتى الآن، لكن سقوط الموصل أدى إلى تغيير الأوضاع على الأرض كثيرا، حسبما يرى هنري باركي. فمن ناحية نشاهد توافقا مريبا، غير معلن وغير مباشر، بين الإرهابيين في تنظيم داعش وغيره مع نظام رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في بغداد، بينما نرى على الجبهة الأخرى تقمص الإرهاب الأسود دور المعارضة لنظام الأسد، ويلغي أي دور للمعارضة المعتدلة، وهو في الجبهتين يبحث عن مناطق نفوذ في منطقة الشرق الأوسط كلها، الوحش الذي ربيناه صغيرا في المنطقة أصبح له أذرع كثيرة يمكن أن تطال الجميع، وهو يتغذى من الانقسام الطائفي بالتأكيد وليس في مصلحة القوى الإقليمية الثلاث: إيران وتركيا والسعودية.
الاتفاق الخادع بين تركيا وإيران
ستدرك إيران، بعد فوات الأوان، أن تحالفها مع حزب الله في لبنان وبشار الأسد في دمشق ونوري المالكي في بغداد، حتى لو بقي الأسد في السلطة، لن يجعل إيران في مأمن من الفوضى التي ساعدت في صنعها واستمرارها. إن استمرار الفوضى وانتصار الإرهاب سيؤدي إلى تقويض حلفاء طهران، ولن تنجح أبدا في تخفيف عزلتها على الرغم من المفاوضات مع (5+ 1) حول البرنامج النووي الإيراني، إن حدود إيران ستصبح إن عاجلا أو آجلا منتهكة ومهددة مع انهيار العراق وسوريا! أما تركيا التي دعمت جبهة النصرة ضد نظام بشار الأسد فإن هذه الجبهة، أحد فروع تنظيم القاعدة، ستمثل تهديدا أمنيا مباشرا لحدود تركيا ومواطنيها في كل مكان ولن تجعل منها قوى إقليمية مرة أخرى (وهذا هدف معلن) لا سيما «إقليم كردستان» الذي سيشكل خطورة شديدة في الأيام المقبلة.
السعودية كشفت دعم إيران للإرهاب
أما السعودية فإنها تشعر بالقلق رغم كل الجهود المبذولة «الجيدة في محاربة الإرهاب»، فإيران لا تروق لها توجهات السعودية لأنها ببساطة تفضحها أمام العالم كأكبر نصير للإرهاب في المنطقة، لذا تلجأ إلى تأجيج الصراع الشيعي السني. فقد أعلنت السعودية في الفترة الأخيرة اعتبار تنظيم الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، وهي تدرك جيدا أن الإرهاب الذي نما وترعرع في العقود الأربعة الأخيرة خطر عليها، ناهيك عن مخاوفها من أن يصبح «الأردن» الحليف الوثيق للسعودية، والذي يعاني بالفعل من تدفق اللاجئين السوريين، هو المحطة المقبلة لتنظيم داعش.
ليس من قبيل الصدفة أن سقوط الموصل تزامن مع زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى تركيا، رغم أنهما على طرفي نقيض في الأزمة السورية! فقد اتفقت الدولتان على أن تختلفا فقط. والسبب بسيط، وهو أن مصالحهما المشتركة مثل تجارة النفط والغاز والدعم السياسي للبرنامج النووي الإيراني، والبرجماتية السياسية لكل من إيران وتركيا تدفعهما باتجاه اتفاق حول بناء ترتيبات انتقالية للحكم في سوريا حفظا لماء الوجه، وهي خدعة تتمثل في اتفاق موقت يتضمن رحيل الأسد، ليس سريعا، في مقابل الحفاظ على بعض المصالح الإيرانية الأساسية مع النظام السياسي السوري الجديد في المستقبل!
«سقوط الموصل» في يونيو 2014، في نهاية المطاف يدل على أن الأزمة في سوريا، مرتبطة ببداية الأزمة في العراق نهاية القرن الماضي، ما يعني أن الشرق الأوسط بحاجة إلى حل إقليمي. فليس معنى عدم تدخل إدارة أوباما عسكريا في سوريا أن تمارس الولايات المتحدة السلبية إلى أقصى درجة، بما يحقق انتصارا ساحقا للإرهاب في الشرق الأوسط. دور واشنطن أصبح ضروريا أكثر من أي وقت مضى وهو تشجيع جميع الأطراف الفاعلة والدولية على إيجاد حل. لا بد أن يبدأ التشاور مع السعودية وتركيا، وأن يشمل ذلك لاحقا إيران؟

