لم يمنع حضور النائب الأول للرئيس السوداني الفريق أول بكري حسن صالح ممثلا الرئيس عمر البشير، حفل تنصيب الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، تجدد طرح الأسئلة على الساحة السياسية السودانية، عن مستقبل العلاقة بين البلدين، وما إذا كانت ستتجه إلى مزيد من التطور والتعاون أم إلى مزيد من التدهور؟ وما هو الثابت والمتغير في العلاقات الثنائية بين البلدين؟ وهل يؤثر تباين النظم السياسية بين البلدين في مستقبل العلاقات ورسم مسارات محددة لها، إم إنها ستعود استراتيجية تحكمها ملفات مصيرية لا تقبل المساومة مثل ملف مياه النيل؟ وهل تقود مصر السيسي تكتلا اقتصاديا ينفذ مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز والرئيس البشير لتأمين الأمن الغذائي العربي، من خلال الخبرة والعمالة المصرية والأراضي والمياه السودانية، ورأس المال السعودي لتحقيق الأمن الغذائي العربي، وبذلك تكون ضربة البداية لأول تكتل عربي يغلب مصالح الشعوب والأمة على الأيديولوجية وصراع السلطة بإحداث نقلة نوعية في العلاقات الإقليمية من الصراع إلى التكامل وتحقيق مصلحة الشعوب؟
وكيف ستتعامل القيادة المصرية الجديدة مع الملفات الحساسة مثل حلايب وشلاتين؟ وهل يعمل السيسي على تفعيل اتفاق الحريات الأربع بين مصر والسودان ويشجع تدفق الاستثمارات المشتركة بين البلدين ورفع حجم التبادل التجاري بينهما؟
يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة أم درمان الإسلامية الدكتور عبداللطيف البوني لـ”مكة” إن مستقبل العلاقات المصرية السودانية مفتوح على كل الاحتمالات، فهي قابلة للإصلاح والتطور وفي الوقت نفسه قابلة لأن تسوء، فمستقبلها رهن بالسياسة التي سيتبعها السيسي أكثرمن السياسة الخارجية السودانية.
ويضيف: من الواضح جدا أن الأمر في يد مصر أكثر منه في يد السودان، وهناك احتمال أن تسير العلاقات بنمط دبلوماسية الرئيس السابق حسني مبارك وقبول السودان بكل شيء والتعامل معه بفن الممكن، وهناك احتمال أن يكون جزءا من حملة دولية تعارض أيديولوجية الحكم في السودان التي لم تعد مرغوبة في المنطقة، إلا أن المتوقع أن يغلب السيسي المصالح المصرية ويضع مسألة مياه النيل أولوية، وبالتالي لا بد له من أن يتعامل مع السودان.
ويتابع البوني: في تقديري الخاص إن السيسي سيغلب المصالح المصرية البحتة، وأتوقع أن يسعى السيسي إلى إصلاح العلاقات مع السودان، خصوصا أن الحكومات العسكرية المصرية كانت علاقاتها جيدة مع الحكومات العسكرية السودانية، فيما أثبتت التجارب أن توترا يشوب العلاقات بين الأنظمة المدنية في أي من البلدين.

ملف حلايب

وفي موضوع الخلافات الحدودية، قال البوني: لا أتوقع أن يأتي السيسي بجديد في هذا الموضوع خصوصا ملف حلايب، ولكن أتوقع أن يميل إلى التهدئة، علما أنه لا يستطيع الانسحاب منها، ولكن لا يقوم بأي عمل استفزازي، ويمكنه أيضا أن يقود المسألة إلى التسوية وحل الخلاف بصورة نهائية.

التبادل التجاري

وأشار البوني إلى عدم نجاح فكرة تجاوز السياسة للاقتصاد لأسباب تتعلق بالبنية الاستثمارية في السودان وتأثر مصر بالأحداث السياسية، وهذا ما ينعكس بصورة مباشرة على التبادل التجاري والاستثمارات بين البلدين، وعلى سبيل المثال فإن رجل الأعمال المصري محمد هيكل قدم إلى السودان برأسمال كبير، ولكن توتر العلاقات بين البلدين دفعه لسحبه، وهناك استثمارات مصرية في السودان الآن مهددة بالتوقف، ولا شيء هناك يدعو إلى التفاؤل لارتفاع حجم العلاقات التجارية والاقتصادية بين مصر والسودان، بعضها يتعلق بالبنية الأساسية للاستثمار في السودان، ومخاوف رجال الأعمال المصريين وتوتر العلاقات السياسية.

الثابت والمتغير

ويحدد البوني المتغير والثابت في العلاقات السودانية المصرية، قائلا: المتغير هو الأجواء السياسية خارج بيئة البلدين، إضافة إلى الوضعين الدولي والإقليمي اللذين ينعكسان بصورة مباشرة عليها. أما الثابت فهو عدم وصول البلدين إلى مرحلة الحرب مهما بلغت درجات السوء في العلاقات، إضافة إلى مياه النيل.
وعن أبرز الملفات السودانية المصرية التي تنتظر السيسي، قال البوني: لا توجد ملفات حرجة سوى ملف حلايب بالنسبة للجانب السوداني، أما تباين النظم فلا يشكل أي عقبة أمام تطور العلاقات لأن إسلاميي السودان لم يعودوا إسلاميي 89 وأصبح الوضع الآن مجرد كلاشيه.. وفي الواقع لا توجد أي أيديولوجية إسلامية الآن في السودان من شأنها تهديد الآخرين، بل أصبح الاستمرار في الحكم هو هاجس إسلاميي السودان، ولم يعودوا راغبين في نشر الفكرة إقليميا.


عبدالعزيز: 3 أمور تتحكم بالمستقبل

قال المحلل السياسي محمد عبدالعزيز لـ “مكة”: منذ سقوط الرئيس المعزول محمد مرسي في 30 يونيو الماضي، دخلت العلاقات السودانية المصرية في مربع يمكن أن يوصف بأنه مربع الفتور والغموض، علماً بأن الحكومة السودانية اعتبرت ما يجري في مصر شأناً داخلياً ونأت بنفسها وابتعدت عن التعاطف مع حكومة الإخوان ولكن هذا الموقف لم يشفع لها وتم تصنيفها ضمن محور قطر تركيا الداعم لجماعات الإخوان.
وتابع: يمكن القول إن العلاقات السودانية المصرية في عهد السيسي تتحكم فيها 3 أمور أساسية هي:

  • 1 - الاصطفاف الإقليمي الذي يجري في المنطقة وعلاقة السودان به.
  • 2 - طاقم الحكومة الذي سيشكله السيسي خاصة أن السيسي ليس له انتماء سياسيا، بل تيار عريض سيستعين بكفاءات من التنوكقراط والوطنيين.
  • 3 - دور الدبلوماسية السودانية في إحداث نقاط اختراق في المحورين الأول والثاني. وأضاف عبدالعزيز: الحكومة السودانية من جهتها رحبت بفوز السيسي رئيسا لمصر، وهي رتبت لاحتمالية فوزه وانتبهت إلى أنه الشخصية الأقوى منذ سقوط مرسي، لذلك أرسلت في فبراير الماضي وزير الدفاع السوداني الفريق الأول عبدالرحيم محمد حسين الذي قابل السيسي وتحدث معه حول مستقبل العلاقات بين البلدين، منذ ذلك التوقيت اعتبرت الحكومة السودانية داعمة للسيسي.

وأشار إلى وجود بعض الملفات الحساسة والساخنة مثل ملف حلايب وشلاتين، وكذلك الملف الذي يعتبر من الملفات المهمة ملف مياه النيل وسد النهضة واتفاقية عنتبي.
وقال: مصر تحتاج إلى دعم السودان فيما يتصل بملف مياه النيل، لأن عدد السكان في مصر يتزايد بمتوالية هندسية، فيما تتدنى الموارد الاقتصادية أيضا بمتوالية هندسية، وبالتالي فإن مصر في المستقبل لن تسطيع تأمين الغذاء لسكانها إلا بمساعدة وتعاون السودان.
وذكر عبدالعزيز أن من بين الملفات العالقة والخطيرة ملف الإخوان المسلمين لأن هذه القلاقل تحدث في ليبيا وفلسطين ومصر وبعض دول المنطقة الأخرى، أما موضوع حلايب وشلاتين فإنه مؤشر أو تروميتر لقياس حالة العلاقة بين البلدين.. فكلما تتوتر العلاقات بين البلدين يتم تصعيد ملف حلايب وشلاتين وبروزها إلى السطح، لافتا إلى أن ملف الحريات الأربع من أبرز الملفات الاسترتيجية بين البلدين لأنه خطوة متقدمة في طريق التكامل بين البلدين، ولكن هذا الملف تواجهه الكثير من العقبات، لأن العلاقات بين البلدين ذات طابع استراتيجي غير تكتيكي يخضع  لصراعات النخب الحاكمة في مصر أو السودان.
وفيما يتعلق بحاجة مصر والسيسي لدعم السودان تجاه سد الألفية وملف مياه النيل، قال عبدالعزيز: بالتأكيد سيضع السيسي في باله موضوع سد الألفية  لأن مياه النيل مسألة حيوية لمصر، والقاهرة في حاجة لدعم الخرطوم لها، وأن الحكومة السودانية حريصة على بناء علاقات جيدة وقوية مع القاهرة ولكن الشاهد أن القاهرة قامت بخطوة سلبية من شأنها تعكير صفو العلاقات بين البلدين وهي خطوة استقبالها للمعارضة السودانية المسلحة والسياسية وفتح مكاتب لها في القاهرة، وتحريض الإعلام المصري الذي درج خلال الآونة الأخيرة على شن هجمات منظمة تجاه السودان وشعبه، متوقعا أن ينشغل السيسي بترتيب الأوضاع في مصر أكثر وزيارة الدول التي وقفت معه ودعمت مصر والتفرغ لحل المشاكل العاجلة والملحة في مصر.
وأشار عبدالعزيز إلى خطوة انتداب الرئاسة السودانية للنائب الأول للرئيس بكري حسن صالح لحضور حفل التنصيب إشارة ذكية تدل على رغبة الخرطوم في تطوير العلاقات بين البلدين باعتبار أن بكري حسن صالح ابن الإسكندرية بجانب اهتمامه بالملف المصري وعلاقاته الطيبة بالمصريين.


فرح: لا جيدة ولا سيئة

لا يتوقع نائب رئيس مجلس الحركة الاتحادية الدكتور أبو الحسن فرح أن تكون العلاقات بين مصر والسودان جيدة أو سيئة لعدة اعتبارات:

  • 1 - موقف النظام السوداني تجاه مصر تغير بعد ثورة 30 يونيو.
  • 2 - المسألة التي تحكم العلاقة بين مصر والسودان أيا كان النظام فيهما، هي خطوط حمر، هي عدم قبول أي من البلدين أن يكون أحدهما منصة لضرب الآخر.
  • 3 - العلاقات لم تتحسن ما لم يتغير النظام في السودان لأنه يعمل بردة الفعل وينسق مع التنظيم الدولي للإخوان، وهذا واضح من مسألة عودة (حسن) الترابي التي تزامنت مع التحول الديموقراطي في مصر، وهي مسألة غير مريحة ولن تساعد في تطوير علاقات السودان مع مصر وبقية دول المنطقة.

وأوضح فرح أن القضايا الاستراتجية مثل ملف مياه النيل وسد النهضة، لا يمكن التنازل عنها حتى ولو كانت العلاقات سيئة بين البلدين، لأن التعامل معها مسألة استراتجية.


الوسيلة: لا خيار إلا ما يخدم الشعبين

قال وزير الدولة في الخارجية السابق عضو البرلمان السودان السماني الوسيلة لـ”مكة” إن العلاقات السودانية المصرية هي علاقات أزلية وليست فيها خيارات للحكومات أو الشعوب، وليس لها أي خيار سوى الخيار الذي يخدم مصلحة البلدين من كل النواحي. وأضاف: البلدان يمثل كلاهما البعد الأمني والغذائي والاقتصادي للآخر إلى جانب التاريخ المشترك، وعليه نحن نرى أن التغيير الذي حدث في مصر الآن بفوز الفريق عبدالفتاح السيسي بالرئاسة، يرتب عليه مسؤولية جمع الصف الوطني في مصر لأن استقرارها يعني استقرار السودان والعكس صحيح، وهذا يقابله في السودان أيضا دفع مسيرة الحوار الوطني لتكون الرؤى واضحة جدا وقضايا متفق عليها تشكل مسيرة السودان، ونتيجة الحوار ستفضي إلى توافق عام في كل الملفات من بينها ملف التوجه الخارجي، مؤكدا أن المصلحة السودانية العليا يمكن أن تشكل مصلحة عليا مشتركة لرئيسي البلدين، لأن هذا العمل يعود بالمصلحة الحقيقة لشعب وادي النيل.
وقال: الشعبان السوداني والمصري من الناحية العددية والإمكانات المادية الطبيعية من الممكن أن تؤهلهما ليشكلا محورا تتكامل معه الإمكانات المادية في الخليج ليشكلوا قوة دفع حقيقة  لتأمين ظهر الأمة العربية من نواح كثيرة أهمها الغذاء بمختلف مكوناته والتي ستكون في المستقبل إحدى نقاط الضعف للوطن العربي لأن الغذاء سيصبح في القريب العاجل سلاحا يستخدم ضد إرادة الأمة العربية.
وتابع: تكامل الشعبين السوداني والمصري واتفاقهما على رؤية كلية يمكنه أن يؤمن ظهر الأمة العربية في هذا المجال.
ولفت الوسيلة إلى أن الإقليم يشهد الآن تطورا كبيرا نحو إعادة ترتيبه، وبدون اتفاق القوى الحية في الإقليم وقراءاتها لما يجري التخطيط له، لا يمكن أن نأمن شرور المخططات وهذا لا يمكن إلا باتفاق القيادات في البلدين على كيفية التأمين الداخلي والتأمين القومي والتأمين الإقليمي، ولذلك نحن نرى أن العلاقة ليست كيف تكون إنما يجب أن تكون بهذه الرؤية، وبهذه المعايير التي ستكون نتاجها لخدمة الشعبين مصر والسودان، ودول الجوار الأفريقي القريب، والدول العربية.