السكري أحد مخلفات الحضارة، وقد عرف الإغريق أن حلاوة البول دليل على وجود مرض أطلقوا عليه اسم (Diabetes Mellitus) بمعنى قصب السكر، وهو الاسم العلمي للسكري اليوم، وقد عرفوا أعراضه مثل التبول الليلي وشدة العطش، وكانوا ينصحون مرضاهم بالاختيار بين الصيام الدائم أو الموت بسلام.
خلال العقود القليلة الماضية عرف الإنسان كيف يتعامل مع داء السكري، فقد تعلم شيئا من مسبباته، آلية عمل السكر في الجسم، توازنات الهرمونات. الفهم العميق لكل ذلك أدى في النهاية إلى تقدم فريد من نوعه وهو اكتشاف أدوية تتحكم بالسكر وعمل الهرمونات، مما قلل كثيرا من خطورته ومضاعفاته. كل خطوة يخطوها لعلاج السكري تقابلها قفزات في زيادة أعداد المرضى مما يجعل حصاره والقضاء عليه في منتهى الصعوبة، والتكلفة العالمية في علاجه باهظة للغاية.
يوجد اليوم أكثر من 382 مليون إنسان مصاب حول العالم ويرشح أن يقفز الرقم إلى 592 مليونا بحلول العام 2035 وذلك بحسب تقارير الاتحاد العالمي للسكري (IDF). يستهلك هذا الداء أكثر من 11% من ميزانيات الصحة حول العالم، وقد صرف العالم مبلغ 465 مليار دولار لعلاج المرض في 2013 وحده، أكبر فاتورة دفعتها الصين بوجود 98،4 مليونا تليها الهند 65،1 مليونا ثم أمريكا 24،4 مليون مريض، من بين أكثر عشر دول إصابة نسبة لعدد السكان جاءت ثلاث دول خليجية في القائمة، السعودية ثم الكويت وقطر. يوجد شخص من بين كل خمسة أشخاص ونصف مصاب بداء السكري في السعودية، وهذا أمر خطر جدا.
نستطيع أن نعتبر انتشار السكري في أي مجتمع معيارا على ضعف التثقيف الصحي، قلة الوعي، اللامبالاة، عدم القدرة على كبح جماح النفس عن الملذات، شدة ضغوط الحياة من الناحية النفسية، والأهم من ذلك هو طريقة استجابتنا لها وتفاعلنا معها، لا يتوقف الأمرعند تناول كميات كبيرة من الطعام أو قلة الحركة، لا؛ الأمر أعمق من ذلك، إنه متعلق بإدارة الحياة.
قبل عدة عقود عرف الناس وللمرة الأولى طعم الراحة والهناء والاستقرار في ظل الدولة السعودية الماجدة، وذلك بعد قرون من الترحال، الجوع، العطش، الأمراض، الأوبئة، الحرب والموت، لقد عرف الناس معنى الشبع الدائم، توفر المأكل، المسكن الدافئ. المشكلة أن استجابتهم كانت خاطئة، فقد قادهم ذلك إلى الخمول البدني والنفسي لأن قلة استخدام الأعضاء تؤدي آليا إلى ضعفها، ظهرت مع مرور الزمن مشاكل تراكم الدهون، السمنة المفرطة، الضغط، آلام المفاصل والسكري.
يعمل الجسم من خلال توازنات شديدة الحساسية وما نراه على السطح ما هو إلا انعكاس لتغيرات أعمق بكثير هناك داخل الخلايا والهرمونات، كل دقيقة من دقائق الجسم تعمل من خلال توازنات بين القلة والكثرة، التخمة مقابل الجوع، التوتر الشديد أو اللامبالاة، الإجهاد والكسل وكل دقيقة لها انعكاس داخل أجسادنا بالصحة أو المرض.
في 2010 صدرت دراسة للدكتورعبدالعزيزالهويش حول «السكري بين السعوديين» (لقد سجلت وزارة الصحة السعودية أكثر من 1،6 مليون إصابة جديدة بداء السكري في الأعوام من 1992 إلى 2010 وهذا رقم مرتفع جدا نسبة إلى عدد السكان) استجابة لذلك فقد ازدادت المصروفات على هذا المرض (في 2010 كانت مصروفات السكري 3،77 مليارات ريال وهذا يساوي 1 إلى 10 نسبة إلى كل مصروفات الوزارة الأخرى من الأدوية إلى الصيانة، بناء مبان جديدة، ومرتبات، صيدليات...إلخ)، التغييرات العميقة في بنية المجتمع السعودي الصحي والاجتماعي، سترفع معدل المصابين إلى 4،2 ملايين مصاب في 2015 وسبعة ملايين في 2020 وهذا يعني أن (الضريبة التي ستدفعها سترتفع إلى ستة مليارات ريال في 2015، و25 مليارا في 2020) في عملية استباقية قامت الوزارة ببناء عشرين مركزا إضافيا للسكر موزعة على المناطق لتلبية الطلب. هذه المراكز لا تشتمل على علاج السكري فحسب، بل جميع الخدمات الأخرى مثل (الجراحة، العيون، الكلى، التغذية) الضريبة الإضافية التي ستدفعها الوزارة ستؤثر على كل الخدمات الأخرى، كل ذلك ونحن لم نتحدث عن معاناة المريض النفسية والاجتماعية واستمتاعه بالحياة، لنضع السؤال نصب أعيننا مباشرة: متى نعي الخطر ونبدأ بتغيير أسلوب حياتنا؟