المتابع للحراك الاقتصادي السعودي الحالي يدرك حجم الإصلاحات التي يمر بها القطاع الاقتصادي بغية الوصول إلى مستويات متقدمة في التنمية بمفهومها الشامل، فالخطوات التصحيحية التي تقوم بها معظم الجهات الحكومية لإعادة الأمور إلى اتجاهها الصحيح - حتى وإن لم تؤت أكلها حتى الآن- تعد مؤشرا جيدا على إدراك المسؤولين أن وعي المواطن بحقوقه والتزاماته ارتفع كثيراً فلم يعد كما كان قبل 10 سنوات مضت، وقناعاته تبدلت، والمعايير التي يحكم بها على الأشياء والأحداث اليومية ارتفع سقفها، وأن الإعلام الجديد وظف كمنصة جديدة للرقابة ونقد الظواهر السلبية.
ولم يكن أمام الجهات الحكومية لمواكبة ارتفاع معايير النقد لدى الضمير الجمعي بد من تغيير سياساتها بحراك تصحيحي يكاد أن يكون شاملا، لا يقتصر على جهة دون الأخرى، لكنه أكثر وضوحا وشمولا في وزارة التجارة والصناعة، والعمل، الهيئة العامة للاستثمار.
فالهيئة العامة للاستثمار- على سبيل المثال - رغم حداثة إنشائها وتجربتها في الاستثمار الأجنبي إلا أن تجربتها القصيرة حفلت بمخالفات جسيمة، قد يستغرق تصحيح وغربلة هذه الاستثمارات الأجنبية لتصبح ذات قيمة مضافة للاقتصاد، وفقاً لتصريح محافظها المهندس عبداللطيف العثمان، عاماً ونصف العام.
وانتهجت الهيئة شفافية ووضوحا غير معهودين في الاعتراف بأخطائها، وممارساتها التصحيحية، إذ أكدت غير ذي مرة أن معظم الاستثمارات الأجنبية في السوق السعودية لا ترقى إلى المستوى المأمول، ولم تحقق أي قيمة مضافة للاقتصاد، وبقيت دون إنتاج حقيقي يدعم الصادرات، ويحد من الواردات، أو يوفر فرص عمل للخريجين، وألمحت إلى أن مساهمة 37% من تراخيص الاستثمارات الفردية لا تعادل 1% من إجمالي التدفقات المالية الأجنبية، وأن نسبة كبيرة منها لا تنطبق عليها معايير وضوابط الاستثمار الأجنبي، واستغلت كغطاء للإقامة بشكل غير نظامي، ومنحت الهيئة هذه الاستثمارات فرصة لتصحيح أوضاعها انتهت منذ أسبوعين تقريبا، بعد أن تم وضعها تحت معايير وضوابط تضمن أن تكون استثمارات ذات قيمة مضافة.
كما أعادت الهيئة بوصلة الاستثمارات إلى وجهتها الصحيحة بعد إصدارها الأسبوع الماضي قراراً يقضي باعتماد البت في طلبات التراخيص للاستثمارات النوعية والمستهدفة من خلال المسار المميز في مدة لا تتجاوز (5) أيام عمل، و(3) مستندات أساسية تتمثل في إقرار من الشركاء برغبتهم في الاستثمار في المملكة، وصورة من عقد تأسيس المنشأة وسجلها التجاري في بلد الشركة الأم، وتعبئة نموذج يتضمن بيانات عن عدد الشركاء وأسماء الملّاك ونوع النشاط الاستثماري لها.
ويستهدف المسار المميز الذي اعتمدته الهيئة كل ما من شأنه خلق قيمة مضافة للاقتصاد، كالشركات العالمية متعددة الجنسيات، والشركات المدرجة في السوق المالية في بلدها الأم أو في دولة أخرى، والشركات التي تقوم بتصنيع منتج مصنف دولياً وخط إنتاج معتمد فنيا، وكذلك المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي ستعمل في مجال حقوق الملكية الفكرية المسجلة باسمها أو التي صنفت على أنها ابتكارية، إلى جانب الشركات العالمية التي تؤسس مركزا إقليميا لها في المملكة، وشركات المقاولات المصنفة من الدرجة الأولى في بلدها أو التي نفّذت مشروعا لا تقل قيمته عن 500 مليون ريال، ولا يقل عدد عامليها عن 2000 عامل، وإجمالي أصولها عن 50 مليون ريال، إلى جانب الشركات التي ستشارك مع شركات مؤهلة من جهة حكومية أو جهة تملكها أو تشارك فيها الدولة أو شركة مدرجة في السوق المالية السعودية.
ومع كل التقدير، لكل ما قامت به الهيئة من جهود ملموسة لإعادة بوصلة الاستثمار الأجنبي إلى وجهتها الصحيحة، فإن الاهتمام بالاستثمارات المحلية، والعمل على استقطاب الاستثمارات السعودية المهاجرة التي تشير التقديرات إلى أن حجمها يتراوح ما بين 800 مليار إلى تريليون ريال، لا يزال دون المستوى المأمول والطموح، ولم يحظ بنفس الاهتمام الذي حظي به الاستثمار الأجنبي، رغم أهميته في تحقيق التنمية المستدامة.
لذلك يفترض أن تكون خطوة هيئة الاستثمار التصحيحية التالية الاهتمام بالاستثمارات المحلية، والعمل على خلق توازن بين المزايا والتسهيلات الممنوحة للمستثمرين الأجانب ونظرائهم المحليين، إلى جانب منح مزايا إضافية استثنائية لجذب واستقطاب الاستثمارية السعودية المهاجرة، تتمثل في خلق مبادرات استثمارية تمول من هذه الأموال المهاجرة، وتقليص الإجراءات المطلوبة لأداء الأعمال في السعودية، والمطالبة بتسريع إصدار بعض الأنظمة التي طال أمد دراستها من دون أن ترى النور.
خطوات تصحيحية ومبادرات استثنائية لاستقطاب الاستثمارات المهاجرة
محمد العوفي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
