الاستيلاء على مدينة الموصل العراقية من قبل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) يشكل تغيرا راديكاليا في الجغرافيا السياسية في كل من العراق وسوريا. علاوة على ذلك، تأثير هذا الحدث سيبدو بشكل أوضح قريبا في شتى أنحاء الشرق الأوسط فيما تستوعب الحكومات في المنطقة حقيقة أن هناك منظمة تدعو إلى إقامة خلافة إسلامية بدأت تنتشر وتتوسع في شمال العراق وفي سوريا.
الأسابيع القليلة القادمة ستكون حاسمة في تقرير النتائج التي سيؤدي إليها النجاح المفاجئ والمرعب في الاستيلاء على مدينة الموصل التي يبلغ عدد سكانها حوالي 1.4 مليون نسمة، وكانت تتمتع بحماية مجموعة كبيرة من قوات الأمن العراقية، فيما بلغ عدد مقاتلي تنظيم داعش حوالي 1.300 مسلح فقط. هل سيتبع الانتصار الذي حققه تنظيم داعش في الموصل نجاحات أخرى في المناطق ذات الأغلبية السنية، مثل صلاح الدين والأنبار وديالا؟ لقد قام المسلحون بالفعل بالاستيلاء على مصفاة النفط الهامة في بيجي دون الحاجة حتى إلى إطلاق رصاصة واحدة، واكتفى المسلحون بالاتصال هاتفيا للطلب من الشرطة والجيش إلقاء سلاحهم والانسحاب.
هذه النجاحات المدهشة التي يحققها تنظيم داعش لم تكن لتحصل لولا أنها تتمتع بدعم ضمني من المجتمعات السنية وغياب المقاومة المسلحة شمال ووسط العراق. الكثير من الناس يملكون الحق بأن يخشوا تطرف داعش المتعطش للدماء والطائفية، ولكن في الوقت الحاضر، طغت الكراهية التي يشعر بها العراقيون السنة ضد الحكومة العراقية المركزية التي يهيمن عليها الشيعة.
لكن هذا قد لا يدوم طويلاً: يتحدث المسؤولون العراقيون عن استعدادات لشن هجوم معاكس تقوده قوات خاصة لمكافحة الإرهاب، وهي قوات تتمتع بتدريب أفضل وتملك أسلحة أكثر تطورا من باقي وحدات الجيش العراقي. قد يستخدم الأكراد قوات البشمركة التابعة لإقليم كردستان العراق في كل من نينوى وكركوك لطرد داعش وخلق وحلق واقع على الأرض في هذه المناطق الغنية بالنفط. قد تستطيع هذه القوات تحقيق النجاح لكن فشل الجيش العراقي في إعادة الاستيلاء على الفلوجة، وهي بلدة أصغر بكثير من الموصل خلال ستة أشهر منذ سقوطها في أيدي مسلحي داعش في يناير الماضي لا يبشر بالخير للحكومة العراقية. إذا استطاع تنظيم داعش الاستيلاء على مزيد من البلدات والقرى فإن المناطق التي تصبح تحت سيطرة هذا التنظيم تصبح أكبر من قدرة الحكومة على استعادة السيطرة عليها.
لكن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام له نقاط ضعفه أيضا. في الماضي، قام التنظيم بعزل نفسه بسبب إصراره الشديد على احتكار النفوذ والسلطة، وعلى فرض نسخته من المعايير الإسلامية لاضطهاد أو حتى قتل كل الذين يختلفون مع التنظيم. هذا الأمر مكن الأمريكيين من إقناع الكثيرين من السنة بالوقوف ضد هذا التنظيم في 2006 و2007. حتى الآن، تبين التقارير الواردة من مدينة الموصل أن داعش أصبح أكثر حذرا، وهو يقول لموظفي الحكومة بالذهاب إلى أعمالهم، كما أنه لا يقوم بمضايقة المواطنين، مع أن هذا الأمر قد لا يدوم طويلا. الناس في الموصل يتساءلون عن الجهة التي يخافون منها أكثر من الأخرى: داعش أم الحكومة. الغضب ضد الحكومة سوف يتزايد إذا لجأت إلى القصف العشوائي لمدينة الموصل كما فعلت في مدينة الفلوجة.
أتباع داعش أغرقوا موقع تويتر للتواصل الاجتماعي بصور لجثث أعدائهم لكنهم أيضا استخدموا هذا الموقع ليعرضوا صور المستشفيات التي استمرت في العمل وعملية إدارة استشارية. ليس من الواضح ما الذي سوف يسود في العراق: القتل أم استمرار العمل. ربما كلاهما.
إن سقوط مدينة الموصل غير موازين القوى بين المكونات الأساسية الثلاثة في العراق: الشيعة، السنة، والأكراد. سلطة الشيعة في المناطق غير الشيعية تعرضت لضربة قوية قد يكون من الصعب عليها أن تشفى منها؛ وهيمنة الأكراد في المناطق الكردية-العربية المشتركة سوف تتوسع؛ ولن يكون بالإمكان تهميش السنة العراقيين، الذين يبلغ عدد سكانهم أكثر من ستة ملايين نسمة، مرة أخرى.
موازين القوى لا تتغير في العراق فحسب. الحدود بين العراق وسوريا لم تعد موجودة من الناحية العملية. في سوريا، سوف تصبح داعش أقوى بكثير لأن التنظيم يستطيع أن يعتمد على مقاتلين وأسلحة وأموال من المناطق التي استولت عليها حديثا في العراق. باقي فصائل المعارضة المسلحة التي تقاتل ضد النظام السوري ستجد صعوبة في منافسة داعش في ساحة المعركة إذا استطاع هذا التنظيم أن يعزز الانتصارات التي حققها مؤخرا.
الاستيلاء على الموصل يغير موازين القوى في العراق
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
