«ثورة الشك، وزيديني عشقا، وسويعات الأصيل، وأنشودة المطر، وعيناك ليال صيفية» كل هذه الجمل تعني للمتلقي شيئا وتحرك في وجدانه ذكرى أيا كان طعمها، فهي قصائد خالدة في الذاكرة، وفي مدونتنا الشعرية الكثير من القصائد توازيها أو تزيد عنها حتى، لكنها -على الغالب- محبوسة في الورق عن آذان الذواقة ووجداناتهم.
تحدث صديقي «علي» بحرقة عن مآل الأغنية العربية، وفقدانها هويتها «الشرقية» الصافية، بعدما أصبحت حتى الموسيقى هجينا لا يحرك في الروح شيئا، ولا يبحر الإنسان معها، بسبب صخب الإيقاعات ونشاز بعض الأنغام الحديثة المؤذي، وعرّج على غياب القامات، فأثار في نفسي شجنا حقيقيا، ولست هنا بصدد «الحل والحرام» ولا تقييم جماليات الفن، بل استوقفتني نقطتان هامتان في نظري:
الأولى: نقطة الهوية العربية الذائبة المتلاشية، حتى على المستوى الفني والذوقي والجمالي، وتحطيم معايير الفن الشرقي، ولا أظن للمتلقي يدا في هذا الشأن بقدر ما لشركات الإنتاج المسيطرة على سوق الأغنية بفكر «التاجر» وحجة مسايرة سرعة العصر، وزور «الأغنية الشبابية» حتى غُيّب حس الفنان المبدع المخلص لفنه، فهؤلاء مركونون في زاوية معتمة بالكاد نسمع ذكرهم في بعض الإذاعات ربما من باب المجاملة أو غيرة إعلامي نزيه.
الثانية: عزوف الفنانين (المريب) عن مدونة الشعر الفصيح، وتغييب جمالياته عن الذائقة، فالجمل الشعرية التي ذكرتها في المقدمة لا تخلو ذاكرةٌ من بعضها على الأقل، عندما التفت إليها فنانون مخلصون لفنهم، فقدموها للذائقة برونق مهيب من الفن الأصيل، ولا تبرأ ساحة وزارة الثقافة والإعلام في بلادنا على الأقل، من وقوفها السلبي إزاء الانفصام المتسع بين الأدب والفن.
والوصول إلى نقطة «الانفصام» يسبب لي حالة اكتئاب، وهو يأخذ طريقه في كل شيء في حياتنا، بدءا من دواخلنا الفردية ووصولا إلى الكيانات السياسية، حتى أصبح كل شخص يعمل بمفرده، ويؤمن بامتلاك الحقيقة وحده، في مظهر مخيف جدا لتنامي هذا النسق الثقافي، ولن «أتجاحظ» وأستطرد أكثر، سأحصر الانفصام بين «الأدب والفن» فعلى صعيد الغناء غاب الأدب الفصيح، وغابت الهوية الشرقية نوعا ما، واكتفى الفنانون بنصوص كرتونية، لا تفرز في الحقيقة إلا فنا كرتونيا يحترق سريعا، حتى إن بعض الفنانين لجأ إلى تأليف كلماته بنفسه بركاكة بالغة، أو استكتب مؤلفين محدودي القدرات.
وعلى صعيد الدراما يؤلمني الانفصام التام بين الأعمال الروائية التي ازدحمت بها المكتبات دون أن ترى طريقها إلى الشاشة، وأن تترجم إلى أعمال تؤدي رسالتها في أكبر شريحة ممكنة، في عصر صناعة الميديا، وربما لثقافة الفنان الاجتماعية دور في اختيار النصوص، فليس المجتمع جامدا، واقفا عند فكرة الفنانين القديمة التي تقدم الأعمال الدرامية بقوالب مباشرة كالمقالات الصحفية، أو المواعظ، بل تجاوزها وأصبح يتابع الفن العالمي بمختلف مستوياته.
وعلى ذكر الفن العالمي، فقد تحوّلت الذائقة العربية التي لم تعد تجد ما يرضي تطورها في الفن المحلي موسيقيا ودراميا إلى الأعمال العالمية، فعلى مستوى الموسيقى نجد الشباب يتابعون معزوفات الروماني «ياني» وغيره من مقدمي الفنون الموسيقية التي تلامس الوجدان، وعلى مستوى الدراما فالأفلام والأعمال الأجنبية أكثر مشاهدة، وليت المنتجين بحثوا عن حلول تطوير الأعمال العربية، بل تخاذلوا واستقدموا الأعمال الأجنبية ليصبح الفنان العربي صوتا فقط لوجوه لا تشبهه.
في نظري يجب أن تتحرك وزارات الثقافة والإعلام، وأن تخلق آليات لردم الهوة بين الأدب والفن، وتعيد صقل الفنان وتثقيفه، ولا أظن إنشاء معاهد وكليات للفنون بأنواعها كارثة في بلادنا، بل الكارثة منعها الذي يكرس فكرة الازدواج ونحن نتابع الفن العالمي، ونتأثر به، ولا نصنع ما يؤثر في الآخر ويقدمنا بهوية مميزة من صناعتنا نحن أدبا وفنا، تغير الصورة النمطية التي يصوروننا بها ولا نملك إزاءها إلا الاحتجاج الأجوف، في عصر «الميديا» أقوى سلاح لتقديم هويتك إلى الآخر.