سقوط الموصل في قبضة «الدولة الإسلامية في العراق والشام» المتطرفة هو عبارة عن جملة اتهامات تاريخية للغرب.
الموصل هي ثاني كبرى المدن من حيث عدد السكان في العراق (مليوني نسمة)، وأصبحت تابعة لتنظيم القاعدة مثل الفلوجة والرمادي.
أول لائحة اتهام توجه إلى إدارة الرئيس السابق جورج بوش الابن الذي ادعى كذبا أنه كان على وشك تحقيق النصر في العراق لولا سيطرة القاعدة على بغداد.
وكأنه لم يحدث أي شيء أبدا، يا للسخرية - غزو للعراق في 2003 واحتلال أراضيه وتدمير البنية التحية ونهب ثرواته! ..الحقيقة أن بوش ونائبه ديك تشيني جلبا القاعدة للبلاد واحتلال أراضي العراق والسماح لها بالعربدة، وهو أول احتلال جديد من نوعه في عصرنا.
فقد أسقطوا النظام القائم آنذاك وأحلوا محله من يدمر البيئة الأساسية لاقتصاد العراق دون أن ينجح في بناء اقتصاد جديد، ووضعوا نظاما انتخابيا يكرس الانقسامات الطائفية والعرقية مما ساعد على نشوب الحرب الأهلية في الفترة من 2006 إلى 2007، بينما كانت الميليشيات الشيعية تحقق انتصارات على أرض الواقع وتحول العاصمة إلى مدينة شيعية، وتضطر العديد من السنة إلى اللجوء إلى أماكن أخرى منها الموصل.
الاتهام الثاني في سقوط «الموصل» يوجه إلى نظام صدام حسين في فترة حكمه، فقد كان رائدا في استخدام التكتيكات الطائفية استنادا إلى حزب البعث وسلطته الباطشة في وسط وشمال العراق لا سيما بغداد، أما اليوم فقد عكس الشيعة هذه الاستراتيجية تماما وأصبحت بغداد هي قاعدة السلطة الأساسية إلى جانب النجف والبصرة.
سقوط الموصل هو اتهام للجيش العراقي الجديد المجهز تجهيزا جيدا وبعض قواته ووحداته مدربة تدريبا متطورا، لكنه بدلا من ذلك يهرب من مواجهة هؤلاء؛ مقاتلي داعش، ويترك لهم الأسلحة الثقيلة عن طيب خاطر.
وتشمل لائحة الاتهام رئيس الوزراء نوري المالكي والنخبة السياسية التي تتولي زمام الأمور في العراق منذ 2005 والتي لم ترغب حقيقة في المصالحة مع العرب السنة أبدا، إنها ليست مجرد قضية طائفية.
إن الأحزاب الشيعية التي فازت على الدوام في الانتخابات العراقية تريد تحقيق رؤية أصولية للشريعة الإسلامية وتطبيقها في العراق من المنظور الشيعي.
رئيس الوزراء نوري المالكي لديه مشكلة مع السنة وهو غير قادر على دمجهم في حكومته، هو انتصار للتطرف وتأجيج مشاعر الكراهية في البلاد، ما يعني أن تقسيم العراق من جديد عودة إلى مئة سنة للخلف، إلى الحرب العالمية الأولى، ونبش اتفاقية سايكس بيكو (1916) من جديد، أو قل إعادة التفاوض من جديد حول وضع «سوريا الفرنسية والعراق الخاضع لبريطانيا».
كما توجه لائحة الاتهام ضد التدافع الاستعماري الأوروبي للشرق الأوسط أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى ثم الاستعمار الفاشل في الفترة بين الحربين العالميتين، حيث سعت لندن وباريس وراء النفط والموارد الأخرى كميزة استراتيجية للتنافس والنفوذ على المنطقة وبلدانها.
ومنحتا فلسطين التي كانت خاضعة للعثمانيين إلى سكان من أوروبا، مما أدى إلى تشريد 12 مليون شخص أصبحوا بلا جنسية حتى اليوم (وهم اللاجئون الفلسطينيون)!وأرادت القاهرة أن يحكم العراق الشريف حسين، أما فرنسا فقد رأت مع انهيار الإمبراطورية العثمانية أن الموصل الغنية بثروتها النفطية جزء من سوريا (أي من السيطرة الفرنسية) ورغم المشاحنات بين القاهرة وبريطانيا، فقد اتفقوا على أن الموصل ينبغي أن تكون جزءا من أراضي العراق.
وعندما التقى رئيس وزراء بريطانيا رئيس وزراء فرنسا في فرساي هدد بالتراجع عن اتفاقية سايكس بيكو.
سوريا الخاضعة لفرنسا بين 1920 و1943 كانت منقسمة، حيث تمت مناشدة الأقليات الدينية مثل المسيحيين والعلويين لتقاسم الحكم، وكان الفلاحون العلويون على استعداد للانضمام إلى جيش الاستعمار الأجنبي على العكس من الأسر الدمشقية السنية الميسورة التي كانت تفتخر بعدم التعاون مع الأجنبي، ولكن ظهور الديكتاتوريات العسكرية وتسيدها الحلبة في الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الاستعمار جعل العلويين المدربين عسكريا في وضع أفضل لتولي السلطة في سوريا، وهو ما تم بالفعل في 1970.
لقد تم تحديث دول مثل سوريا والعراق بعد أكثر من 400 سنة من الخضوع للإمبراطورية العثمانية، لكن هذا الوضع جعل العراق ينظر إليه دائما من منظورين؛ فهو أحيانا دولة واحدة، وأحيانا أخرى مجموعة من المدن والأقاليم الصغيرة المفككة، وفي أحيان كثيرة ينظر إلى الموصل كمقر لمقاطعة تحمل نفس الاسم، وفي أحيان أخرى تصبح مركزا حضاريا كبيرا يقع على تقاطع طرق التجارة وسير القوافل ونهر كبير، يمتد إلى حلب وطرابلس باتجاه الغرب، وناحية البصرة وبغداد إلى الجنوب الشرقي، وكأنها وسط الحضارات الكبرى.
لقد كانت الموصل مختلفة جدا دائما عن جنوب العراق، والذي أصبح شيعيا خلال القرن التاسع عشر تحت تأثير النفوذ الشيعي الهندي، وكان أقل المناطق الحضارية وأكثرها قبلية، وكان التواصل مع الجنوب عبر التجارة على طول نهر دجلة، ونظام الحكم العثماني.
الحل الوحيد لعودة العراق دولة واحدة مرة أخرى هو مسؤولية نوري المالكي أولا وأخيرا، ويتوجب عليه أن يتحالف مع السنة في الشمال، خلاف ذلك؛ سيتمزق العراق ولن يتمكن من إخضاع المدن السنية باستخدام الوحشية من قبل القوات الشيعية والمدفعية الثقيلة والقصف الجوي، مثلما يفعل جاره في الجهة المقابلة بشار الأسد.
سقوط الموصل.. وعود التاريخ الكاذبة
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
