مِن التزاماتهم يفرّ المنظّرون الذين التزموا رغم هروبهم للأمام أو الخلف سلوك التغطية بفرْض لباس البهرجةِ طريقاً لإلهاء المستفيد عن أصل الخدمة ومادّة الموضوع، ولذلك فالنّاظر لميادين العمل الحكومي ومجالاته على مستوى التنفيذ والإجراءات يلمس هوَساً كبيراً بأطروحات الجودة واستراتيجيات خرائطها، ومن مفهومٍ رسَخَ في أذهان من أُعجِبوا بهذا المضمار انطلقَ القومُ فشرّقوا وغرّبوا ونالوا من شهادات الاعترافات ورموز الشركات المسوّقة للجودة الكثيرَ حاملين معهم أرقاماً (مميزة) ذات طابع يجذب السامع والرائي والمستهدَف، ولكنّ المُفَكّكَ لهذا البناء تحليلاً وتفصيلاً يقف على مصيبة عظيمة تكسر عظْم الأداء وتنخر في جسد رضا المستفيد، فمِن غير الطبيعي أن تكون منشأة حكومية صغُرت أم كبُرت فرعيّة كانت أو رئيسيّة قابعة في بيروقراطية المكتب وتقليد التعقيد الورقي والتعدّدي المملّ والمضني ثم بعد ذلك تجدها حاصلة على شهادة من عيار الجودة اللمّاع كـالـ ISO وغيرها، ومع تفهّمنا للفرق الكبير بين جودة المنتج والمخرجات وبين جودة استحقتها إدارة لأنها ضبطت عملها الورقي بإحصاء وترقيم في زيادة إجراءات وتسلسل عمليات، إلا أنّنا ونحن المستفيدون من كل خدمة تقدمها الجهات الحكومية لا يعنينا من ذلك سوى أداءٍ يُرضينا وخدمة تحقّق حسن ظنّنا في تلك الجهات.
هذا الوضع عن كثب يدفع الفضولي وصاحب الرّغبة في معرفة الدوافع والأسباب لأن يستقصي ويبحث ويسبُر أغوار العلل ولن يلبث منتظراً حتى يقف على مبدأ (الهروب) الذي يرافق كثيراً من كوادر العمل الحكومي حين تفلس أفكارهم وتبلى مهاراتهم وتصعب قناعاتهم فيعيشون في بَهْوِ تغطية العجز وباحة تشتيت ذهن المراقبين بتحويل الأنظار نحو فرقعةٍ (كالجودة)، وليتهم يأخذونها بقوّة كتابٍ لو طُبّق كل ما فيه كما فيه لكانت جودة نيّاتهم قائدة لجودة أعمالهم ومن يرأسون، والمؤلم أن تسري تأثيرات دعاية إعلامية لتُحقّق نصيب الأسد في نفسيات المستفيد من الخدمة برسْم الاستهداف لا برسْم التجربة فتجدُه يثني على تلك المؤسسة أو هذه الجهة لمجرّد أنها علّقت شهادة (الجودة) في مدخل مبناها أو وَسَمَت به مطبوعاتها وموقعها الالكتروني الخامل، ولا يدري ذلك المادح بل ولا بعض موظفي ذات المنشأة عن أيّ جودة تتحدّث تلك الشهادة، كمن زار بخيلاً وهو ذو مالٍ أو خالط ذا خلق سيّءٍ ومعشر فظّ وهو منه أشدّ فسُئلَ عنه فقال مادحاً له (لباسُه فاخر ونعلاه راقيان) فقد ألهته بهرجةٌ عن شعورٍ لا يعنيه، فكيف التقطَ الهاربون طوق نجاة من ملامةٍ آنيّةٍ وعتابٍ حالٍّ بهذه (الجودة) المزعومة ولم يجدوا ناصحاً يخبرهم أو يخبر عنهم بأنّ في الجودة الشاملة استراتيجية أداء وتخطيطٌ ملمّ مرن وتحسينٌ مستمرّ وتركيزٌ على العملاء وتواصلٌ مع المستفيد وحُسْنُ إدارة للموارد ومشاركةُ مجموعة عمل وقياسٌ واختبارٌ ومعالجةٌ في منظومة متكاملة لو تجزّأت لكانت بلّوراً مكسوراً يجرح ولا يُفرح، ناهيكَ عن مالٍ يُرصَدُ وميزانيّات تُصرَف لعقود شركات تمنحُ شهادة الجودة شكلاً باللغتين الإنجليزية والعربيّة.
الهروب للجودة
محمد أحمد بابا3 دقائق للقراءة

حجم الخط
