إشفاقي كبير على الجيل الحديث الذي يسمع ممن يقولون إنهم باحثون شرعيون، أو يحسبون على الدعاة، عشرات (الفتاوى) والتي في غالبيتها تكون غريبة ومستهجنة، ومخالفة لما عليه إجماع العلماء، وتثير نوعا من الجدل حولها في المجتمع، على الرغم من أن من أعنيهم بالدعاة من غير المسموح لهم بالفتيا، لكنهم استمروا في الظهور الإعلامي، وأدخلوا المجتمع في جدل لا طائل منه، مثلما أدخلوا أنفسهم في قضايا بدافع اللهاث (خلف الشهرة والبحث عن الأضواء ولو أنكروا)!
ولكثرة الفتاوى لهؤلاء الدعاة، فقد ذكرتني فتاويهم بفتاوى بعض (المشايخ) في خارج بلادنا، والتي أصبحت مثارا (للسخرية والتهكم) لغرابتها وما حملته من صور صادمة للعلماء الكبار المعتبرين في بلادهم، والذين خرجوا يستنكرون فتاوى هؤلاء المشايخ هواة الشهرة، ونحن هنا لم نعد بعيدين عن مشايخ الخارج، فقد ظهر «مشايخ» تجرؤوا على الفتيا، وتسابقوا إليها، بينما جيل علماء السلف كانوا يسارعون للهروب من التصدي لها، فهذا «شيخ» لا يرى حرجا من (الاستماع للأغاني والموسيقى) ويبيحها ولا يرى في ذلك بأسا، وفوق ذلك يعلن أنه غير نادم على فتواه ولن يتراجع عنها، إلى «شيخ» ظهر مؤخرا وهو (يبيح للمرأة كشف وجهها وإظهار صورها في التويتر بكامل مكياجها) ولا يرى حرجا في ذلك، وهو من قبل أفتى بالاختلاط، ومن رأى الصلاة في المساجد سنة، ثم أقدم على خطوة ليبرهن جواز كشف المرأة لوجهها، ولست أدري لماذا يبذل جهده في المسائل الخلافية رغم علمه أن الحوار حولها يزيد من الخلاف؟) إلى»شيخ» يحرم السفر إلى دبي! إلى»متشيخين» يدعون إلى عدم صيام عاشوراء، وستة أيام من شوال ويهونون فعل الكثير من العبادات ليقال إنهم (وسطيون، معتدلون).
كلنا يحب الوسطية والاعتدال، لكن لا يعني ذلك تهوين ما عليه غالب علماء السلف، لكن الطامة أن هؤلاء يمارسون الفتيا في التويتر، وفي الفضائيات، ويفسح لهم عبر نشرات الأخبار لترويج فتاويهم، رغم عدم التصريح لهم بذلك، فهل يظن أولئك أنهم بفتاويهم (الشاذة) يحققون منهج الاعتدال والوسطية؟ ألم يعلموا أنهم (يشوّشون) على الشباب معتقدهم بأمور وقضايا دينهم؟ في الحقيقة لقد أصبحنا أمام مشايخ، نقولها صراحة، إما جاهلون بالعلم الشرعي لدينهم، أو أنهم يتجاهلون ذلك! ولا أدري ما فرحهم وهم يمارسون الفتيا وكأنهم لم يدرسوا يوما قول المعلم الأول عليه أفضل الصلاة والتسليم: (أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار)، والنار لأنهم يفتون بغير علم تهاونا وهم يبينون عن الله حكمه، وكأنهم لم يعوا الدرس جيدا من قوله تعالى: (آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ).
كم من قامات في العلم الديني من صحابة وعلماء سابقين، رضي الله عنهم كانوا يتدافعون الفتيا عن أنفسهم ويلقونها على بعضهم خوفا من الوقوع في الخطأ، حتى إن الإمام مالك، رضي الله عنه، على جلالة قدره وعلمه ومكانته وهو إمام عصره كان يقول عن كثير مما يسأل عنه «لا أدري» رغم معرفته لبعضها، لكنه كان يخشى قول المصطفى، صلى الله عليه وسلم، «من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار».
وقد ذكر عبدالرحمن بن أبي ليلى قال: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يُسأل أحدهم عن المسألة فيردّها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول، حتى إن كتاب الإمام البخاري، وهو من أصح الكتب في التشريع يأتي بعد القرآن الكريم، لا يتفق مع صحة فتاوى هؤلاء الدعاة أو المشايخ، لذا عليهم أن يتقوا الله وأن يدعوا أمر الفتيا لمن أسندها ولي أمرنا خادم الحرمين الشريفين إليهم، فهم من أهل العلم وهم العلماء الثقات.
مشايخ (تويتر) و(الفضائيات) عشاق الشهرة.. وماذا بعد؟
محمد إبراهيم فايع3 دقائق للقراءة

حجم الخط
