ظهرت في عين شمس ثلاثة أنظمة إروائية وهي: في شعب أبو قروش، بحرة العجيفاء، وهذا النظام اندثر كليا ولم تصلنا منه إلا أخبار يسيرة تقترب من المسامرات الأدبية، ولكن اللافت أنها انبثقت بشكل قوي في حدود 1350هـ وفق رواية شفاهية تلقيتها ممن سمع بها وتم ردمها لأسباب تتعلق بالملكيات الخاصة ثم اندثرت ولعلها كانت داثرة قبل ذلك بعدة قرون، فابن فهد في حسن القرى لم يذكرها وهو المتوفى 954هـ، وكذلك البركاتي في رحلته اليمانية لم يذكرها إلا في إيجاز شديد وهو من زار عين شمس في 1329هـ.
ومن المحتمل أنها كانت رائجة وتغطي مساحات زراعية شاسعة تمتد على سفح الحرة مطلع العصر العباسي فظهور المستوطنات البشرية يشي بهذه الحقيقة، كما يمكن أن نستأنس ببقايا الفخار الذي ينتشر على أطراف تلك المزارع الذي يوحي بقدر من النشاط الزراعي، ولكني لم أقف على نظامها الإروائي نظرا لاندثاره، ولا أستبعد أن يكون مختلفا نوعا ما عن النظام الإروائي للعينين المجاورتين وفق ما سنأتي عليه.
أما قربه من السفح فيجعل البحث فيه أمرا مهما للغاية كونه النظام الإروائي الوحيد الذي ينطلق من عمق الصخور البازلتية، وهنا نفترض أنه قد يكون مغايرا في بعض تصوراته، خاصة في درجات الميول وطريقة تسريب المياه.
لحسن الحظ أن هناك نظامين صرفيين بعين شمس احتفظا بقدر معقول من نمطهما الإنشائي هما عين البرقة وعين الزبينية.
1 - عين البرقة: وتمثل النظام الإروائي القديم بكل تفاصيله الفنية ويتمثل في مجموعة من الأجزاء نفذت بشكل متقن للغاية ويقدم نموذجا مميزا في كيفية تنفيذ هذه التقنية الإروائية ويمكن تناولها على النحو التالي:
الأمية وتمثل البئر الرئيسة ويتم اختيارها بعناية شديدة بحيث تكون مضمونة الماء وغزيرة ولا تكون إلا في الجهة الشمالية الشرقية تبعا لانحدار الماء، فبعد التحديد يتم حفر البئر بعمق 10م بحيث توازي نقطة الصفر عند التسريب تقريبا، ثم تشق قناة أرضية وتتحدر من الشمال الشرقي نحو الجنوب.
الدبل: ويشق من مركز البئر العمقي باتجاه الجنوب كما أشرت وهو عبارة عن قناة بعرض 100 سم وعمق مشابه ويشبه الأنفاق تقريبا، وفيه يعمد البناؤون لتسقيف جدران هذه القناة ورصف أرضيتها لتسهيل مرور المياه، ويتم الاعتماد على الآجر المشوي وتثبيته بالجص، ولكن بعض أجزائه غير مبني نظرا لصعوبة رصفه وتسقيفه واتساع المجرى وضعف الأرضية، وليس بالضرورة أن تستقيم، فالمهم تنفيذ القناة ولو بشكل متعرج.
بركة العين: وتمثل نهاية مصب الدبل وتبنى على شكل بركة مربعة طول ضلعها 22م تقسمها مصاطب متدرجة بحيث تستقبل الماء المندفع وتمتص قوته لتسكينه وتحويله لبركة أصغر أو تصريفه من العمق الجانبي لري المزروعات. ولم تخضع هذه البرك لنمط معماري موحد فهو يختلف من نظام لآخر ولكن المرتكز الرئيس الأساسي لا يمكن التحول عنه.
ولسنا بصدد الإسهاب في تاريخ البرقة ويكفي أنها كانت رائجة وواسعة الانتشار منتصف القرن العاشر، ولعلها المعنية بذكرها ضمن رحلة ناصر خسرو في سفر نامة قبيل منتصف القرن الخامس وما حولها من مستوطنات، يوحي بأنها ذات تاريخ عريق جدا خاصة عند تحليل المواد الأثرية المتوافرة هناك، ولا شك أن غزارة المياه أعطت لها هذا الكم الواسع من النشاط البشري.
2 - عين الزبينية:
تقع هذه العين شرق جبل الحميرا بمقدار 1000م، وتنسب لرجل يدعى علي بن زبن أحد ملاكها المتأخرين، ولم نعثر على دبل العين الرئيس ولا خرزاتها ولكن يمكن مشاهدة القناة الإروائية الموصلة من العين حتى البركة الرئيسة، ولا تختلف عن قناة البرقة في تصميمها ولعل تاريخ تنفيذهما متقارب أو متشابه وخضع لنفس الأسس الفنية التي كانت عليها عين البرقة حتى في ميول الاتجاه، إلا أن البركة تعتبر نمطا جديدا وطارئا في عملية توزيع المياه وهي بهذا تختلف عن عين البرقة في نظام البرك، والهدف من هذه البركة خزن المياه وتوزيعها بشكل ملائم للبقع الزراعية المحيطة خاصة في الناحية الجنوبية، وتراكم المياه يحولها باندفاع قوي باتجاه المزارع المعتلية حيث يمتد حتى مسافة 300م، بمحاذاة قدم السميراء كما يمكن التحكم في كمية المياه بشكل أفضل وهذا النظام الإروائي معمول به في بعض العيون كعين الفايجة مثلا.
بعد دراسة هذا النظام الإروائي نستطيع أن نستخلص الفكرة العامة لنمط الري، بأن تهدف إلى تسريب الماء من الأمية بشكل متدرج وبسرعة معينة ليتكون على سطح الأرض بعد أن يقطع مسافة معينة وفق تقديرات حسابية وهندسية تسمح بتسريب الماء ولكن دون جرف القنوات أو تعطيلها وتهتكها، وهذه ترسم مشكلة كبيرة لذا اجتهد المنفذون في صناعة خرزات (غرف تفتيش) متقاربة تثبت على مجاري القنوات لتمكين رجال الصيانة من النفاذ داخل القنوات لإزاحة المخلفات المتراكمة أو تنظيف القنوات لتسهيل مرور المياه، وهذه الخرزات في حد ذاتها صممت لتكون ملائمة تماما لمشاريع الصيانة ولها عمق محدد يسمح بالنزول والخروج من القنوات الإروائية بيسر وسهولة رغم المخاطر الشديدة التي تعتري العاملين داخل هذه الدبول، ومن أهمها ارتجاع المياه نحو فريق الصيانة نتيجة انسداد المضايق أحيانا.
وبفضل هذه التقنية نشأت حضارة حول هذه المزروعات تتجلى صورها في تلك اللقى المحيطة بهذه المزارع، وهي بلا شك تغري أي باحث بدراسة هذه الحضارة وفق تسلسل العصور الزمني خاصة عند تطبيقه على اللقى المتناثرة سواء كانت معدنية أم فخارية بحيث تضع الباحث مباشرة في مواجهة دراسة هذه الأنماط وتحليل محتواها الحضاري والثقافي.