هل نحن على مشارف عهد جديد نعلن فيه موت الديمقراطية وظهور عصر ما بعد الديمقراطية؟ وهل سيكتشف العالم في المرحلة المقبلة أن النظام الديمقراطي أخذ أكبر من حجمه؟ وأنه كان وهماً انطلى على العالم كله، ولا سيما في العصر الحديث؟ وهل وقعت الأحزاب الإسلامية في فخ التقادم الديمقراطي حيث جاؤوا بعد فوات الأوان ومر القطار؟
لا جدال في أن النظام الديمقراطي حقق في الغرب وبعض بلاد الشرق تقدماً وعدالة ورخاء وكرامة للناس، ولا جدال كذلك في أن كل عاقل في العالم يحب نظاماً يحقق كل هذه المنجزات، ونحن من دعاة العدل والحرية والتعددية تحت أي مسمى ما دام المضمون واحداً، وقد رأينا كثيراً من علماء الإسلام ومفكريه وأضرابه يندفعون نحو الديمقراطية بلا رجوع إلى تحريم هذا النظام أو تكفيره كما كان في السابق، وبرغم هذا كله فإننا الآن نعيش في عالم يعد العدة لما بعد الديمقراطية، وإن هناك أشكالاً جديدة من الأنظمة ستظهر قريباً وستصبح الديمقراطية حيالها جزءا من التاريخ بغض النظر هل تكون عدالة كاملة أم منقوصة.
أمور كثيرة هي التي دعتني للتفكير بهذه الطريقة! وليسمح لي القارئ العزيز بأن أتدرج معه في الحديث عن الديمقراطية لنصل إلى ما نريد وإن أجبرت على إعادة معلومات طالما سمعتها في مناسبات كثيرة.
كلنا يعلم أن الديمقراطية كلمة يونانية معناها حكم الشعب، لكن الذي لا يعلمه الكثير من الناس أن حكم الشعب لا يعني العدل ولا يعني الحرية. الذي يعنيه حكم الشعب هو ما تواطأ وتراضى عليه الشعب، وكل القوانين التي يضعها الشعب ويشرعها لنفسه إنما تمثل هذا التراضي، فلو تراضى الشعب واتفق على بقاء الطبقية بشكلها العنصري لأصبحت الطبقية جزءاً من الديمقراطية أو حكم الشعب، ولو تم التراضي على إقرار خلق سيئ أو عادة ممقوتة أو ظلم مالي أو اجتماعي أو غير ذلك فإن ذلك يصبح جزءاً من هذا النظام، فالنظام الديمقراطي لا يعني العدل بقدر ما يعني حكم الشعب.
من هنا فالديمقراطية جاءت بها الشعوب ولم تأت هي بالشعوب، وبمعنى أوضح هي حاجة أو ضرورة أو فرض واقع فرضته ظروف معينة وليست مبدأ فطرياً، وبهذا تصبح وسيلة لا غاية، والوسائل حكمها حكم الغايات وتتبدل بحسب الظروف والحاجات.
وأقول للذين لا يعلمون: إن الديمقراطية ليست اختراعاً جاء مع عصر النهضة أو الثورة الفرنسية، بل هي فكرة أو نظام موغل في القدم، أي تراث سلفي غربي قديم سبق ميلاد المسيح عليه السلام بقرون.
والغريب الذي قد ينكره كثير هو أن الديمقراطية عند أربابها إيحاء إلهي وإلهام مصدره آلهة اليونان كما ورد في التاريخ، فالذي أسس هذا النظام هو ليكرغ الذي ذهب إلى معبد دلفي ليستشير الآلهة في وضع نظام حكمه، فأوحت إليه الآلهة، كما يقول المؤرخون، بوضع النظام الذي يرتضيه في إسبرطة من بلاد اليونان، فأقام نظاماً مناسباً لزمانه واختار ثلاثين زعيماً بالتصويت يقومون على حكم الشعب، وكلمتهم نافذة حتى عند معارضة الشعب لها. وقام النظام الديمقراطي في أثينا اليونان على أساس أن يحكم خمسمئة عضو يديرون الحكم على حسب المراتب، وكلهم منتقون من أبناء الشعب ويتداولون الحكم، كل خمسين عضواً يحكمون وقتاً محدداً ثم يأتي غيرهم، ولم يكن مفكرو اليونان وبطارقتهم يقبلون هذا النظام، فأرسطو يرى أن هذا النظام يصب في حكم الفرد الواحد، وأفلاطون من قبله له نظريته ورأيه في الحكم السياسي.
إذن فالديمقراطية وإن ارتبطت بالعلمانية في العصر الحديث إلا أنها عند مؤسسيها نوع من الثيوقراطية، أو جزء من الحكم الإلهي الذي ترفضه العلمانية.
وأهم من ذلك هو أن ديمقراطية اليونان وديمقراطية العصر الحديث، كما ذهب إلى ذلك الأستاذ العقاد، رحمه الله، لم تقم على الحق الإنساني المعترف به لكل إنسان، بل كانت إلى الضرورة العملية أقرب منها للمبادئ الفكرية والأصول الخلقية.
من هنا فكلمة الديمقراطية بمعنى حكم الشعب أمر غير صحيح، ولم يحكم الشعب نفسه في يوم من الأيام.
ولو ذهبنا إلى الأسس التي تقوم عليها الديمقراطية في تعيين الحزب الحاكم لوجدنا أنها تنزع إلى غلبة فئة على فئة، أو انتصار قوة على قوة، أو احتشاد عصبة على عصبة، أو ترجيح ميزان القلة على الكثرة، أو الغنى على الفقر. وفي نهاية الأمر هي انتصار الأقوى لا الأعدل، وانتزاع الحكم بطريقة سليمة ظاهرها الشورى والعدل، وباطنها الاستبداد والظلم، وليس الأمر على إطلاقه بالطبع، ولكن هذا ما أفضت إليه الممارسات السياسية للنظام الديمقراطي في هذا العصر.
ولم يعد يرى الناس في هذا الزمان إلا انتصار المال والثروة والنفوذ أو الطبيعة الثقافية لكل شعب، أو العصبة والأكثرية، فعاد النظام الديمقراطي استبداداً للأغلبية بالأكثرية، وللأقوياء بالضعفاء، فعدنا إلى نقطة الصفر مع الفارق.
هناك ذريعة لابد من الرد عليها، وهي أن الحكم الديمقراطي ضرورة لتطبيق القوانين، ويرد على هذه الذريعة بأن تطبيق الدستور والقانون المتعاقد عليه هو تحصيل حاصل إذا كان الشعب يملك التفويض لتطبيقه، فقد يطبقه حزب، وقد يطبقه حاكم فرد، وقد يطبقه وكيل عن الشعب، وليس شرطاً أن يأتي بطريق ديمقراطي آلي، لأن الديمقراطيين في هذا العصر لا يجدون ذريعة للوصول إلى السلطة إلا التذرع بتطبيق القانون والشفافية في تنفيذ الدستور وسائر الشعارات الحزبية والدعائية.
والذي أثبته التاريخ والواقع أن كل ساع إلى ترشيح نفسه إنما كان يبحث عن تطبيق أجندته ولم يفكر في النظام الديمقراطي على الشكل المتوهم من الناس، ولا فكر في الشعب بقدر ما يفكر في نفسه. وكل الذين يريدون الوصول إلى الحكم ليطبقوا النظام الديمقراطي جاؤوا اليوم متأخرين، إضافة إلى ضعف الفكرة من جهة وضعف الإيمان بها من جهة أخرى، فالكل يريد شيئا غير الديمقراطية، ولكن الديمقراطية هي الخطوة الأولى، ثم يبدأ حرب الأجندات والإيديولوجيات.
بوادر نهاية الديمقراطية تظهر في عدة أمور:
إذا تذكرنا العولمة وما بعد العولمة سنتذكر أن الديمقراطية مطلب عولمي فرضته القوى العظمى بالقوة، ذلك لأن الديمقراطية هي المحضن الأكبر والأوجه للقمع الإيديولوجي، وهذا ما يجعلنا نرى التيارات المحاربة للديمقراطية والمكفرة لأصحابها تطالب الآن بكراسيها في مصر وتونس والمغرب وغيرها. وبكلام أشد وضوحاً، هذه الديمقراطية التي هي الأم والمحضن الأول للعلمانية والمجتمع المدني الذي رفضه الإسلاميون جملة وتفصيلاً، دنيا وديناً، عادوا الآن يؤمنون بما كانوا يكفرون به من قبل، ولكنهم جاؤوا متأخرين، وهذا يدل على أن رضا العالم الغربي بالإسلاميين على كراسي التغير هو تمهيد لفترة قادمة يجب أن تخف معها الممانعة الإسلامية. والديمقراطية هي الوسيلة الوحيدة والموقتة للتخفيف من ممانعة متوقعة بعد أن يتمرس الممانعون على الديمقراطية قليلاً.
- ومن بوادر نهايتها أن الثورات العربية المعاصرة ثارت على مزاعم ديمقراطية أذاقتها أنواع العذاب، ولاسيما في الدول التي تقوم فيها الانتخابات وتنتهي بالنتائج الحتمية أو بالأربع تسعات، وإن رضيت بتطبيقها كحل وحيد الوقت الراهن.
- ومما يدل على عدم جدوى الديمقراطية وبوادر نهايتها هو تساقط الأحزاب في الغرب والشرق والفضائح التي تظهر من وقت لآخر، واكتشاف العالم أن هذه الأحزاب إنما جاءت إلى سدة الحكم للحصول على مكاسب شخصية طالما سعى إليها أهل النفوذ وكبار القوم، ولم يعد العالم يجهل أن الديمقراطية هي استبداد جماعي بات أشد من الاستبداد الفردي، وفي كثير من دول العالم لا يحكم فيها سوى حزبين متنافسين، وفي أندر الأحوال ظهور حزب ثالث مقارع لهما إلا إذا جاء على شكل تحالف.
إنها ثقافة النسبة القليلة من الشعب، وقليل من الشعب في أكثر الدورات التاريخية هو الذي يتقن اللعبة الديمقراطية أو اللعبة السياسية برمتها، والنسبة الأكثر هي من يجهل هذه الألاعيب ولا شأن لها بما يدور في صناديق الاقتراع، ولا في المجالس النيابية، ولا في مجلس الشعب. لقد بدت الديمقراطية تحمل تناقضاً غير سوي، حيث الأكثرية هي الغالبة والأقلية هي المغلوبة، أقلية حاكمة لأكثرية محكومة، والكل يتاجر باسمها ولا تتجاوز نسبة المشاركين في صناعة المشهد في كثير من الأنظمة الديمقراطية أقل من ربع الشعب أو ثلثه.
سواء آمنا بهذا القول أو لم نؤمن به فعلينا أن نعلم أن أعتى الحروب وخراب العالم تصنعه الديمقراطية، فإذا كان الديمقراطيون يحققون نوعاً من السلام الداخلي فهم يصنعون الاستبداد الخارجي بخفاء، ولو أن توقعاتنا صدقت وانتهى النظام الديمقراطي فما المتوقع أن يكون عليه العالم(ما بعد الديمقراطية)؟ هذا ما سنتحدث عنه في مقال لاحق بإذن الله.
نهاية الديمقراطية
7 دقائق للقراءة

حجم الخط
