من العلامات الفارقة التي ميزت حكومة المالكي عن الحكومات العراقية السابقة كثرة استخدامها لعبارة «أجندات خارجية» كتهمة جاهزة مهينة توجه لخصومها السياسيين، ورجال الدين، وشيوخ العشائر، ومنظمات المجتمع المدني، والمتظاهرين السلميين، والمعتصمين المطالبين بحقوقهم المشروعة، وكل من يعترض طريقها أو يخالفها بالرأي والسياسة. لم تترك شريحة اجتماعية ولا حركة سياسية، إلا وألصقت بها تهمة المؤامرة على وحدة البلاد وأمنها واستقرارها، وشق الصف الوطني، والعمل لصالح «تركيا»أو إحدى الدول العربية الخليجية «المملكة العربية السعودية ودولة قطر» على وجه الخصوص. والعمليات الإرهابية التي تضرب مصالح البلاد والعباد منذ أحد عشر عاما والحكومة عاجزة أمامها تماما، هي أيضا أداة لتنفيذ أجندات خارجية، ولا علاقة لها بعجز القوات الحكومية عن مواجهتها، والمشاكل السياسية الداخلية التي تعصف بالبلاد، نتيجة تفرد السلطة التنفيذية المتمثلة برئيس الوزراء بالحكم، وإقصاء الفرقاء السياسيين، وعدم إشراكهم في صياغة القرارات السياسية المصيرية للبلاد. كذلك لا علاقة لها بالفساد المستشري في بنية المجتمعات العراقية، ولا بعجز الحكومة في تقديم الخدمات الضرورية للمواطنين، ولا بتفشي ظاهرة البطالة بين الشباب، وانتشار الفقر بنسبة رهيبة(30%) في دولة تعد الأغنى بين دول المنطقة.. هذه الأسباب ليس لها دخل في الصراع السياسي والديني والعرقي الجاري بين المكونات الأساسية للعراق، ولا تمت إليه بصلة لا من قريب ولا من بعيد، إنما تتعلق بتبعية تلك الجهات السياسية والمكونات العرقية أو الطائفية وارتباطها بدول خارجية «معادية!»، تعمل على تقويض أركان الدولة الجديدة تنفيذا لأجنداتها الطائفية. والجهات الخارجية وحدها هي التي أشعلت نار الفتنة الطائفية بين السنة والشيعة، والتي ذهب ضحيتها مئات الآلاف، وهي التي وتّرت العلاقة بين بغداد وأربيل ودفعت الأخيرة إلى رفع راية العصيان بوجه بغداد، وتصدير النفط إلى الخارج بدون إذنها، والجهات الخارجية لا غيرها هي التي تنشر الفساد وتأخذ بيد المفسدين وتحميهم من الاعتقالات والملاحقات القانونية.. شماعات خائبة دأبت حكومة المالكي تعليق فشلها السياسي والإداري عليها دائما.
لم يكد الوفد العراقي برئاسة رئيس البرلمان أسامة النجيفي يزور تركيا ويلتقي برئيس وزرائها مؤخرا، حتى وجه المالكي في كلمته الأسبوعية انتقادات حادة إلى أعضاء الوفد «الذين يتحاورون مع دول في شؤون تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، وفي تصدير نفط إقليم كردستان إلى الخارج»، و»وصفهم بأنهم «يحرضون على الفتنة تنفيذا لأجندات خارجية»، واتهم النجيفي»بقيادة مؤامرة ضد الدولة بالتواطؤ مع جهة خارجية»..وكذلك الأمر بالنسبة لزيارات رئيس الإقليم مسعود بارزاني إلى تركيا والدول الأوروبية، أبدى تخوفا كبيرا منها، وعد زيارته الأخيرة التي قام بها إلى روسيا بأنها «خطيرة»، وهذا ما دفع به إلى إصدار قرار يمنع فيه (أو من خلاله) زيارات المسؤولين في الإقليم وعلى رأسهم»بارزاني» إلى الخارج من دون موافقة الحكومة المركزية.
هذا بالنسبة لزعماء الكرد والسنة، وكلهم في نظر حزب الدعوة الحاكم عملاء وجواسيس، يتآمرون على العراق ووحدته بإيعاز وتعليمات مباشرة من دول الجوارالسنية «تركيا والسعودية وقطر». ولم تسلم التظاهرات والاعتصامات في الأنبار وشيوخ العشائر ورجال الدين ورجال الأعمال من المكون السني حصرا «وهذا هو الواقع وليس دعوة إلى الاصطفاف الطائفي» من العمل ضد الوحدة الوطنية، والعمل لصالح أجندات هذه الدول الثلاث.. الكثيرون من المعتقلين في السجون العراقية أدينوا بالتجسس لصالح هذه الدول وأجنداتها، ولفقت لهم تهم وهم أبرياء لا علم لهم بما اتهموا به، وربما نفذ فيهم حكم الإعدام لأنهم مثلوا أجندات خارجية.
وأما زعماء الأحزاب الشيعية المنضوية في التحالف الوطني الحاكم، والزيارات المكوكية السرية والعلنية التي يقومون بها إلى إيران، والاجتماعات المتواصلة التي يعقدونها مع قادتها لتنسيق المواقف وتوحيد الجهود بينهم، فإنها زيارات ودية بريئة إلى دولة جارة تربطهم بها علاقات صداقة مميزة ومصالح مشتركة وأواصر تاريخية ودينية وثقافية، وهي بحسب ما صرحوا به دائما لا تريد إلا كل خير للعراق والعراقيين، ومن باب الأخوة التاريخية والدينية فتح «المالكي» لإيران أبواب العراق على مصراعيه، وسلم لها مقاليد البلاد، وقدم لحكامها فروض الطاعة والولاء حتى وصل بهم الأمر إلى التخطيط لتشكيل وحدة كونفدرالية على أساس طائفي.
ومن كثرة اتهام المالكي لمعارضيه من السياسيين السنة من النواب والوزراء وزعماء الأحزاب بشقيها العربي والكردي بتفيذ أجندات خارجية والتآمر على وحدة البلاد، فإن هذه التهمة أصبحت سلاحا فتاكا بيده يستعمله ضد من يشاء من خصومه مثل المادة «أربعة» إرهاب التي شهرها بوجه خصومه من أهل السنة لفترة طويلة، وكانت له نعم العون في إسكات صوتهم وإبعادهم عن طريقه!