ليس بالتأكيد أي شيء يشبه «الحب في زمن الكوليرا»، ولكنه الحب الذي يجيء أو لا يجيء في زمن أصبحت القلوب فيه معرضة لكل مقاييس هذا الزمن، من قسوته لعولمته لعلومه لأنانيته لقربه وانفتاحه، وعزلة الإنسان فيه والتي تتزايد كل يوم.
ما علينا، ولنتحدث قليلاً خارج اسمنتية عالمنا، لنتحدث عنها، «بسمة» تلك التي تبدو وكأنها قادمة من عالم الحكايات الجميل.
«قاسم»، هو خطيبها أو زوجها مع إيقاف التنفيذ، لأن هناك عقداً للزواج قد تم، وكانا بانتظار إتمام بقية إجراءات الزواج وتجهيز المنزل جرياً على العادات هنا.
قاسم شاب وسيم يعمل ما يحب، وبسمة تصغره بعامين وتعمل أيضاً ما تحب، وكلاهما يؤمن بما يحب.
تعرض قاسم لآلام، فقرر الأطباء إجراء عملية جراحية على إثرها، وأثناء إجراء العملية وقع خطأ طبي من الطبيب الاستشاري فأدى إلى تدهور حالة قاسم صحياً لفترة طويلة وعجزه عن تحريك أجزاء من جسده.
بسمة كانت ترى كل ذلك وتشعر بخطورة ما تحمله الأيام نحوها، تستطيع أن تستمع لنصيحة إخوتها بالتراجع عن هذا الزواج الآن والبدء من جديد مع إنسان آخر معافى، أو أن تبقى لا تغادره ولا تغدر به.
كانت تعلم أنها بقرارها ألا تغادر قاسم تحرم نفسها من كثير مما تحلم به أية فتاة تتزوج، لتكون أماً أو أن تنطلق في حياتها دون عبء رجل مريض.
وقاسم الذي كان يحب فتاته البسمة التي تضيء الحياة، كان ممزقاً بين ما بدأ يفعله من القسوة عليها حتى يسهل لها اختيار الرحيل عنه وبين أن ينهار أمامها متخففاً من كل رداء يرتديه ليظهر بمظهر القوي المستغني عن وجودها بقربه.
وبقي هو بين اليأس والرجاء وسيف المرض، وبقيت هي بين ضغط إخوتها وعقلها الذي يريدها أن تفكر بمنطق هذا الزمن من جهة، وذلك الشيء الجميل من جهة أخرى بداخلها والذي لم يتبق منه الكثير في دواخلنا، ذلك الذي يشدها نحو أن تبقى وتبقى حتى النهاية كيفما تكون النهاية.
توجهت بسمة إلى غرفة قاسم في ذلك المصح الكئيب الذي أمضى فيه أقسى لياليه وأشدها برودة، ذهبت وحدها، فتحت النافذة لتطل شمس ذلك الصباح وكأنها تطل من قلبها فتحمل دفأه إلى الدنيا من حولهما، فتح قاسم عينيه ونظر إلى تلك الهالة من الضوء حولها، ابتسم بوجلٍ وأمل. ثم أدار وجهه للناحية الأخرى كي لا ترى دمعة يقاومها الرجل فيه. اتجهت بسمة إلى طرف السرير الذي تستلقي عليه رجلاه بلا حياة ووضعت يديها عليهما بحنان يكفيه بقية سنوات عمره وقالت له بصوت قوي ثابت لم تظن أنها تمتلكه من قبل: «لن أغادرك حتى تغادرني».
الحب في زمن الكورونا
منى سالم باخشوين2 دقائق للقراءة

حجم الخط
