تظل (الثيمات) التي تتحكم في بناء عالم الرواية اللامتناهي محددة، يمكن القبض على مؤطراتها بقراءة السياق الأصغر لإنتاج الروائي (الواحد)، والسياق الأكبر الذي هو الإنتاج الروائي بشكل عام، ليقترب عالم الرواية بذلك الواقع مع بستان لا يعرف إلا الله مداه ومنتهاه، ولكن الذي له علاقة وطيدة بهسيس الأرض يعرف أن كل هذا الامتداد يمكن اختزاله في أنواع محددة من الأشجار والنباتات.
فالثيمة التي تقفز للذهن مباشرة عند حضور صنع الله إبراهيم، هي ثيمة (الكولاج) الذي تسير من خلاله جل أعماله في مسارين، أحدهما أحداث متن الحكاية والآخر (النص الآخر) بتجلياته المتنوعة (علمية وصحفية وسياسية)، وثيمة روايات أمين معلوف هي استحضار التاريخ ككائن حي في اللحظة الحاضرة، أما أحلام مستغانمي فتستدرج اللغة الشعرية، ذات البعد النضالي الأنثوي، لتصبح هي ثيمة السرد التي تنهض بها لحظتها الروائية، وعلى الطرف النقيض نجد -مثلا- محمد شكري يستدرج السرد إلى عالم الأزقة المفعمة بالفقر والبؤس والخطيئة، لتكون تلك الأزقة المظلمة ثيمته السرية للبناء الروائي.
أما على نطاق الروايات العالمية فمارسيل بروست اعتمد على استقصاء الزمن الماضي، ثم القبض على أطيافه المستحيلة في بحثه (الخرافي) عن الزمن المفقود، وثيمة روايات كونديرا امتزاج الفلسفة بسياقات نصوصية بوليفونية لأجناس فنية متنوعة (مرئية ومسموعة)، في حين أن نيكوس كازانتزاكس اقتصر على المكون الفلسفي بثيماته الجزئية الوجودية الكبرى (الحياة.. الموت.. الحب..)، أما ثيمة الرواية لدى الهائل دستوفسكي، فهي تلك (الحوارية) التي تستغرق بها أهم عناصر السرد في حوار كرنفالي متعدد الرؤى والألون والأصوات والأصداء، حتى إنه يصنع من كل حوار داخل الوعي الداخلي للشخصية الواحدة شخصيتين مختلفتين كاملتي القيمة والدلالة.
ولا شك أننا نجد تلك الثيمة المتحكمة لدى روائيينا المحليين، فأعمال رجاء عالم تنطلق من بؤرة اللغة الطقوسية المعتقة التي تنسجم مع طقس الروح، وهي تتعالق مع جسد (خاص) داخل فضاءات من الدهشة، لإنتاج (طقوس) الدلالة المستحيلة، في حين أن تركي الحمد يجعل من البعد السياسي ذريعة لممارسة الحكاية عبر إسقاطاتها على الواقع الزاخر بالتناقضات والتوترات... وهكذا.
تلك هي بؤر (الشكل أو المضمون)، التي تتنوع من خلالها عوالم السرد، وفتنتها (الروائية)!

[email protected]