لنسأل أنفسنا سؤالا مركبا: ما سبب ضعف الوعي الثقافي؟ وتضخم الذات الناقدة في أعماقنا؟ فدائما يتكرر على مسامعنا تعبير «بلد ماشي بالبركة»، وما أجمل البركة، ودعوة إبراهيم لو كان هذا المقصد، لكنهم يقصدون «أننا ومؤسساتنا لا نعرف النظام أو التخطيط».
قلّبت أفكاري كثيرا في محاولة الإجابة، وفي كل مرة أعود خاوي الوفاض من إجابة شافية، ولم أجد عن وزارة الثقافة والإعلام ووزيرها الهمام محيصا ولا مصرفا، خاصة والرجل من رجالات التخطيط، ونحن في أمس الحاجة إلى التخطيط السليم واستشراف المستقبل.
تأملت الإعلام، وسألت الكثيرين من معارفي عن آخر مرة شاهدوا قنواتنا التلفزيونية الرسمية، فكان تذكر المرة الأخيرة عسيرا لندرة ما شاهدوها، وكان وصف «غصب1 و 2» يتردد في تهكمات بعضهم، وانتقادات لاذعة للمحتوى الباهت، ثم جلتُ خلال القنوات الخاصة، فغلبت عليها الفئوية لجمهور معين يربطه طيفٌ ثقافي، لا تطرح القضايا وهموم الوطن إلا من وجهة نظرها، ناهيك عن سطحية الكثير منها، فاتجه حدسي إلى اعتقال هذه القنوات لمتابعيها في توجهها اليتيم، فالقنوات الدينية لها متابعون لا يعدلون إلى غيرها، والشعبية كذلك، وقنوات الأفلام والدراما أيضا، والقنوات المنوعة، وقلّما يكون للوطن ومنجزاته نصيبٌ في هذه «الفضوات القنائية» كما يحلو للزميل «محمد السحيمي» تسميتها.
من المسؤول عن تغييب أبنائنا المبدعين في شتى المجالات، ومنجزات مؤسساتنا الوطنية غير التلفزيون السعودي؟ التلفزيون الذي طرد مشاهديه وآخرهم الرياضيين، وتمادى اليوم في طرد الإعلاميين المميزين ليطلوا علينا من قنوات أخرى، حتى صار الناس يتلقون أخبارهم من شائعات برامج التواصل الاجتماعي، أو صياغة الصحفيين الهواة، وانكفأت كثير من المؤسسات على ذاتها لا نعلم عن حراكها شيئا.
يا معالي الوزير، تعلم أن في كل مدينة رئيسية فرع متكامل للتلفزيون، لا ينقصه إلا القليل ليصبح قناة مستقلة تبثُّ على مدار الساعة، يتوحد بثها على مستوى الوطن في الأحداث الرئيسية، فوطننا قارة وأحداثه وفعالياته مستمرة، فلو توجهت الوزارة إلى إطلاق قناة خاصة لكل منطقة إدارية أو مدينة يزيد سكانها عن 500 ألف نسمة؛ لأسست لحراك ثقافي ووعي اجتماعي فاعل، ولوجدت كل قناة اهتمام أبناء منطقتها المتعطشين إلى رؤية مسؤوليهم، ومشاهدة إبداع أبنائهم، فأهل الطائف على سبيل المثال يتوقون لمشاهدة مباراة ناديهم من الدرجة الثانية، ومتابعة مسرحية من جمعية الثقافة والفنون، وخطبة من مسجد العباس، وأمسية شعرية أو ندوة من النادي الأدبي، أو سوق عكاظ، ورؤية أبنائهم في برامج الأطفال، وشبابهم في سباق الفروسية والهجن، ومسؤول من الأمانة يحدثهم عن مستقبل مدينتهم، وبرامج هيئة السياحة والآثار، ومناقشة رسالة علمية أو مؤتمر علمي في الجامعة، ومتابعة أبنائهم المتخرجين منها أو من المعاهد العسكرية، وأبنائهم المتفوقين والمخترعين والمبدعين، وكذلك متابعة الحوادث والكوارث، وكل أبناء الوطن كذلك يأملون؛ لكن للأسف كل هذه الفعاليات وغيرها الكثير تذهب سدىً، نصيبنا منها رسالةٌ تلفزيونية مقتضبة، أو خبرٌ في صحيفة، أو شريط الشاشة المتحرك.
إن فكرنا في التكاليف المادية، فأجزم أنها لن تكون شيئا في ظل تعطش المعلن لوسيلة إعلامية تستحوذ على اهتمام أبناء منطقته، فصاحب مطعم صغير أو مؤسسة مقاولات ناشئة أو مجمع تجاري، لا يستطيع الإعلان في قنوات عالية الكلفة، ربما لا يشاهدها 100 من أبناء منطقته، لكن في وجود قناة إقليمية مميزة سيسارع للإعلان عبرها، والجهات الرسمية التوعوية ستبادر للاشتراك.
لعل من الثمار المرجوة أن تحتد وتيرة التنافس بين المبدعين، إذ يشعرون بأهميتهم وشهرتهم، ويتلقون النقد والتوجيه من القريبين منهم، وستصبح القناة رافدا من روافد التميز في المنطقة عندما تضع تحت الضوء أفضل منشأة في خدمة المواطن، أو أميز موظف، أو مسؤول، ويظل الإعلاميون يضيئون كل عتمة أو تقصير حتى تصححه الجهة المسؤولة.
وختاما: هل يفرح الآملون؟