تابع العالم الإسلامي بنوع من التشويق والاستغراب ما حصل بين الشيخ أحمد الغامدي، والتيارات السائدة على الساحة حيال فتوى جواز كشف المرأة لوجهها. وأنا هنا سأبين أنواع وتوجهات التيارات الفكرية خلال الحدث، ومحاولة استجلاء ما خلف السطور، ومعرفة ما يحرك الرأي العام، وإثبات سوء النية بين تيارات تتنازع الواجهة، وتتحارب بعنف بغرض السيطرة، واستغلال الموقف وقنص الفوائد:
1. الطرف الأول هو الشيخ الغامدي نفسه، والذي عَرّضَ نفسه وأهله لضغوط اجتماعية وإعلامية لم يكن لها من داع، حيث إنه كان قد أبان عن رأيه في السابق، وأثبت رؤيته بالمراجع، وباتباعه لرأي أغلبية المسلمين، وبكونها ليست المرة الأولى، التي يظهر فيها مع أهله وهم كاشفو الوجه، فسبق أن حدث ذلك في دولة أجنبية.
2. التيار البدوي، بصرف النظر عن الدين، هل أجاز ذلك أم حرمه، فهم يتمسكون بعاداتهم وتقاليدهم التي تقضي بأن وجه المرأة عار وشنار، لا يمكن الكشف عنه بأي حال من الأحوال.
3. التيار المذهبي السلفي، والذي يُخطّئ جميع مذاهب المسلمين الأخرى (الأغلبية العظمى)، والمخالفة له في ذلك، ولكلا الطرفين مراجعهم وحججهم!
4. التيار المتحرر المتحلل، والذي يريد أن يتحقق له ذلك، ليتمكن أصحابه من نيل ما ظلوا ينادون به طوال السنوات الماضيات، متناسين أنهم بين مجتمع محافظ بدوي الأصول.
5. المثقفون ممن لديهم العلم والثقافة الدينية والدنيوية، وممن ينادون باليسر، والمباح، فأسعدهم أن يقوم أحد المشايخ بالمبادرة بذلك ليؤكد للجميع صدق ما كانوا ينظرون له في السابق، مع أن الغامدي لم يكن أول من قال بذلك وفعله من شيوخ السلفية السابقين والحاليين.
6. أصحاب المذاهب الأخرى، ممن كانوا يطبقون ذلك طوال العصور الماضية، في الدول العربية، والإسلامية، وسعادتهم بأن يُثبت الحدث صدق ما كانوا يفعلون.
7. التيارات المتطرفة كالقاعدة والدواعش، ومن يسير على طريقتهم، وجدوا في ذلك خرقا جديدا في صورة الدين، يثبتون من خلاله لأنفسهم الشريرة ولأعوانهم أن كرههم وتكفيرهم للمجتمعات المسلمة كان عن حق!
8. التيار القرآني، والذي لا يؤمن بالسنة، وجد له من خلال تلك النقطة الخلافية ما يمكن استخدامه في إثبات ضرورة نبذ جميع الأحاديث، واتباع الآية القرآنية فقط، والتي خصت أمهات المسلمين بالحجاب دون سواهن.
9. الدول الأجنبية، ممن يعيبون على المسلمين تغطية الوجه باعتباره هوية الإنسان، وكيف أنهم بذلك الحدث وجدوا فرصة للتمادي.
ولن يفيدنا هنا أن نتحزب لتيار ضد تيار، ولكننا مجبرون للنظر مليا في حقيقة ما يحدث، ونفهم كيف أن صغائر الأمور تلهينا، وتشغلنا عن عظائم الأمور، وتجعلنا نزداد انقساما وحيرة على تاريخنا الإسلامي الذي ورثناه بتراكماته، وبحسناته وسيئاته، دون مبادرة من القادرين ـ سلطة وعلما ـ لغربلة الموروث التاريخي، وانتقاء الأصح منه، لكيلا يزداد تشتت حاضر ومستقبل أمتنا الإسلامية بين الأمم.