على الرغم من صعوبة مادة الرياضيات وعدم حب بعض الطلاب لها قديما، إلا أنها كانت المادة المحببة لكل طالب حظي بالجلوس أمام المعلم سلمان القرشي، الذي لامس أهمية هذه المادة وعرف كيف يبسطها في النفوس قبل الدروس، متمكنا من إيصال معلوماته الحسابية إلى أذهان الطلاب، لترسخ في ذاكرتهم، دون أن يمحوها الزمن.
وعمل القرشي على ترسيخها، من مبدأ حبه وشغفه المطلق للغة الأرقام والمعادلات الصعبة، وفك الرموز بطريقة عذبة، لن تستطيع السنوات محوها مهما تزاحمت الأفكار الكثيرة لمعطيات الحياة، ولم يكن المعلم سلمان القرشي عاديا في طريقة إيصال المعلومة لطلابه، بل كان ممسكا بالعصا من المنتصف، جامعا بين القسوة واللين، تضحك معه وتحترمه، ليس خوفا منه، بل حبا فيه وتقديرا لجهده، إضافة إلى طريقة شرحه ذات الطابع الجدي، حيث كان يحسب قيمة الثانية الواحدة، وقد ينسى نفسه أحيانا، وهو يدخل في حصة زميله الذي يأتي من بعده، ذلك لأن 45 دقيقة، لا تكفي لكل ذلك الاندماج مع الشرح الذي يصل لنحو 50 دقيقة في أغلب الفصول، دون أن يكلّ طالب أو يمل أستاذ، قضى أكثر من ربع قرن، يعلم جيلا بعد جيل مادة الرياضيات.
وما إن تشاهده متجها إلى الفصل حاملا في يده فرجارا ومسطرة كبيرين، إلا وينتاب الطلاب شعور بأن الدرس صعب في هذا اليوم، غير أنه منذ أن يبدأ القرشي في شرح الدرس، تذوب كل التساؤلات ويتلاشى الخوف لدى الجميع، في صمت يوحي أن عقولهم قد بدأت في تسجيل المحتوى الحسابي بدقة متناهية، و يخرج بعد كل حصة، بابتسامة راضية عن نفسه، دون الالتفات لأي أمر كان، سوى الاهتمام بطلابه وترسيخ مفاهيم أساسية في حياتهم المستقبلية، ويفرح مع كل يوم تصدر فيه نتائج الطلاب، لأنه كان يدرك أن جميعهم لن يقلوا عن امتياز، محتسبا تلك الابتسامة التي كانت في نهاية كل حصة بالاطمئنان على سير العمل وذكرى لليوم الذي يتوج فيه طلابه، وهم يحملون في أذهانهم كل القواعد لجميع المسائل الحسابية.