بدأت الخبرات التي اكتسبها الإثيوبيون العائدون من السعودية تسهم في نهضة البلاد من خلال توظيفها في عدد من المجالات خاصة في المشروعين الوطنيين الكبيرين: سد النهضة وقطار المدينة.
فكثير من العمالة العائدة، بدأت تنخرط في المجتمع وتعمل في المشاريع الكبيرة خاصة كمشروع سد النهضة الذي يعمل فيه 8500 عامل، ومشروع قطار أديس أبابا ومشروع رصف الطرق ومشاريع صغيرة أنشأتها الحكومة ومولتها وخصصتها للشباب.

ولا تزال الحكومة الإثيوبية تبذل جهودا كبيرة لإدماج العائدين من السعودية الذين يزيد عددهم على 165 ألفا، لإدماجهم في المجتمع وتوفير فرص عمل لهم إضافة إلى تدريب عدد كبير من الشباب والشابات في مختلف المجالات والمهن، ليتسنى لهم الاندماج مع بقية فئات المجتمع، وكذلك قدم عدد من المصارف بينها بنك التنمية الإثيوبي، دعما تمويليا لعدد من المشاريع الجماعية، مثل العمل في مجال الطوب (البلوكات) ورصف الطرق بالحجارة بالتعاون مع محافظات البلاد المختلفة، إضافة إلى أن الحكومة والحكومات الإقليمية تقدم أراضي لاستثمارها في الزراعة وتربية المواشي وتربية النحل.
ففي موقع سد النهضة يعمل العائدون إلى جانب العمالة الوطنية، كل بحسب مهاراته التي اكتسبها خلال فترة وجوده في السعودية، حتى إن بعض العائدين يعتبرون أنفسهم محظوظين لأنهم يسهمون في تنمية الوطن.

الإثيوبية لملم أبرا تعمل في تحضير وجبات الطعام للعمال، وتقول: فخر لي أن أسهم في الصرح العظيم، أما زميلتها سلام تسفاي التي تعمل في إعداد المساكن وتنظيفها يوميا، فتقول: أنا سعيدة لأنني أشارك في أهم مشروع إثيوبي في هذا الوقت.

أعمال خاصة

وإلى جانب ذلك استحدث كثير من العائدين مجالات عمل خاصة بهم كافتتاح بقالة أو مطعم صغير أو إعداد طعام من المنازل، خاصة الطعام السعودي كالمندي والكبسة.
وتقول السيدة إبراش هيلو: كان اثنان من أبنائي يعملان في السعودية وينفقان علينا، والآن بعد عودتهما بنينا بيتا وافتتحنا محلا صغيرا للخردوات.

أما الشقيقتان سيركي وإستي العائدتان من السعودية، افتتحتا مطعما صغيرا، وتقول سيركي: مكثنا في السعودية 11 عاما ولدينا كثير من الذكريات، ونحمد الله على كل شيء، نحن الآن في وطننا ونعمل في بيع الأطعمة.

ومثلهما تعمل مقدس في بيع الأطعمة من منزلها، وتقول: أعد أطعمة عربية في منزلي وأتعامل مع عدد من الفنادق، وعندما يأتي عرب وسعوديون يطلبونني لإعداد الأطعمة العربية كالكبسة والمندي والأطعمة السودانية والعربية إذ استفدت كثيرا من سفري واكتسبت خبرات كثيرة.

اللهجة السعودية

واللافت أن كثيرين من العائدين لا يزالون محتفظين باللغة العربية بلهجة سعودية التي اكتسبوها أثناء وجودهم في المملكة، إذ تجدهم يتحدثون بها أينما ذهبوا، خاصة أنهلا يوجد بيت أو أسرة إثيوبية، إلا وفيها من هاجر للمملكة من قبل أو يعيش حاليا هنالك، وهذا ما جعل للغة العربية وخاصة السعودية، مكانة وسط المجتمع الإثيوبي.

عباءة سعودية

“ف.م” الفتاة ذات الـ23 عاما لا تزال متمسكة بارتداء العباءة السوداء التي لازماتها منذ نعومة أظفارها في السعودية كما تجد أكثر كلامها باللهجة السعودية، فهي عاشت في المملكة أكثر من 16 عاما وتزوجت فيها ووجدت نفسها مضطرة إلى العودة إثيوبيا، وتقول: عدنا رغما عنا ولكن كل حياتي سعودية، ملبسي ومأكلي، أتمنى أن تعود المياه إلى مجاريها.

معادلة واضحة

ويقدم أحمد بايو معادلة واضحة للفارق بين العمل في السعودية وإثيوبيا بقوله: في المملكة كنت أجني في الشهر 200 دولار والآن أجني 25 دولارا، هذا هو الفارق بين هنا وهناك، ويقول: لا حل لدينا، لا بد من أن نعمل لنكسب لقمة عيشنا، خلال فترة وجودي في السعودية تملكت منزلا ولم أدخر أموالا.

صعوبة الإقناع

ويقول الصحفي كروس قبرازقابهير إن الحكومة قدمت جهودا كبيرة لاحتواء أبنائها العائدين من الخارج وقدمت لهم تدريبات ومساعدات متعددة للاندماج مع بقية أفراد المجتمع في عملية التنمية التي تشهدها البلاد، ولكن هؤلاء الأفراد تضرروا اقتصاديا ونفسيا وهذا من الصعب أن يتم معالجته بصورة سريعة، والأهم هو أن يتم تدريبهم وإقناعهم أن في إمكانهم أن يطوروا بلادهم أو يسهموا في الاقتصاد، وقدمت لهم قروضا ودعما وتدريبا وهذا جهد مقدر من الحكومة.

عملات صعبة

ويؤكد الصحفي المتخصص في الشؤون الاجتماعية والاقتصادية سلشي دابي أن العمالة الإثيوبية في المملكة كان لها دور كبير في دعم الأسر وتقديم العملات الصعبة للبلاد ورعاية أفراد المجتمع من عمال وطلاب، وأسهم بعضهم في الاستثمار المحلي من خلال أموالهم وخبراتهم التي اكتسبوها من الخارج وقدموا العديد من الدعم، مؤكدا أن هذه العودة المفاجئة أضرت باقتصاد البلاد وبعض الأسر وأثرت في دخل الفقراء والمجتمع وهنالك مشكلات اقتصادية واجهها هؤلاء الأفراد خاصة توفير فرص العمل والسكن وأخرى اجتماعية كالبطالة والأمراض والظواهر السالبة.

ويضيف: قدمت الحكومة جهودا مقدرة ولكن من الصعب أن تتم معالجة هذه القضية بين يوم وآخر يحتاج لأوقات وأموال وتدريب وتكاتف جهود الحكومة مع الشعب، لأن الفرص التي خسرها هؤلاء ليست بالسهلة، فهذا يعني أنهم فقدوا كل شيء بين ليلة وضحاها، يمكن أن يستفيد المواطن من خلال العمل في بلاده ولكن هنالك من يتقبل هذا ومن يرفض وعلى الحكومة دعم جهود المنظمات والمجتمع والشباب وتوفير فرص العمل لتقليل الهجرة.

تغيير المفاهيم

ويقول الكاتب الصحفي محمد شافي أباقارو: على الرغم من الفقر وقلة الموارد لكن الجهود التي بذلتها الحكومة والعمل في تحسين أوضاعهم واستيعابهم وتصحيح مفاهيمهم تجاه العمل في الوطن خاصة أنهم قادرون على أن يقدموا الأفضل بجوار الأسر والأهل في أرض الوطن، ويمكن أن يتخطوا هذه المراحل ونسيان المشكلات الماضية وأن يندمجوا في عمليات التنمية التي تشهدها البلاد، ولا بد من تغيير المفاهيم وتصحيح الوعي العام بأن العمل خارج الوطن مفيد أكثر وعلى الشعب تشجيعهم وليس الحكومة فقط ونتمنى أن يتخطوا هذه الأزمات ويسهموا في تنمية الوطن.


إبادة الفقر والجوع بمدارس القش واللبن

لا تزال كلمات رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ملس زيناوي يتردد صداها في كل بيت إثيوبي وفي الأروقة الحكومية، إذ قال إن الفقر هو عدونا الوحيد، وأتمنى ألا يموت إثيوبي جوعا وألا تموت إثيوبية أثناء الولادة وأن يتعلم كل فرد في المجتمع ويعرف طريق التنمية وتطوير نفسه.
 ومن هذا المنطلق تسعى السلطات الإثيوبية إلى مواكبة التطور والنمو والتنمية الحديثة لتتغلب على مشكلاتها وتقدم تجارب يحتذي بها الأفارقة.
لهذا عملت إثيوبيا ولا تزال، على نهضة تنموية كبيرة يسهم فيها كل المواطنين.
وكانت أهم خطوات التنمية، توفير التعليم للجميع في المدن والأرياف، ووضعت تشريعات وقوانين تحاسب الوالدين في حال تأخرا عن إرسال أطفالهم إلى المدارس التي تعمل على ثلاثة دوامات: فترة صباحية رسمية للأطفال، وفترة بعد الظهر لربات المنازل والعمال، وفترة بعد العصر للعاملات في المنازل والأماكن العامة.
وكذلك الأمر تجد في الجامعات عدة فترات للدراسة: صباحية وعصرية ومسائية.
وكل هذا بهدف الاستفادة من عدد المدارس والمؤسسات القليلة لتدريس أعداد كبيرة.

اللبن والقش

وهنالك بعض الأقاليم التي سجلت تقدما في هذا المجال على الرغم من ضيق الإمكانات ومباني مدارسها متهالكة.
فمثلا يوجد في إقليم تقراي - حسب آخر تقرير لحكومة الإقليم - أكثر من 100 مدرسة فصولها قليلة وتقليدية مصنوعة من اللبن والقش ومقاعدها متهالكة ويجلس الطلاب على الحجارة، ولكن بالرغم من ذلك حقق الإقليم نسبا عالية في استيعاب الطلاب والدارسين الذين تجاوز عددهم المليون، أي ما يعادل ربع سكان الإقليم الذي يقطن فيه 4 ملايين نسمة.
وكذلك لجأت الحكومة إلى تقديم قروض لمجموعات من الشباب قدمت اقتراحات لمشاريع صغيرة تستوعب أعدادا كبيرة.
وهذه التجارب أثبتت نجاحا كبيرا في إثيوبيا، إضافة إلى مشاريع الحرف الصغيرة والمتوسطة التي تقدم لها إدارة المحليات والمجالس كل التسهيلات من تمليك وسائل الإنتاج والإجراءات وتمليك محلات صغيرة وتدريب على الصناعات الصغيرة والمتوسطة وبعض الحرف اليدوية التي ترعاها المنظمات والبنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية.

تراجع الفقر

وأسهمت تلك الجهود في تراجع كبير في نسب الفقر، إذ يفيد أحد التقارير أن نسبة الفقر كانت 45.5 % 1998، وتراجعت إلى 38.7 % في 2006، ثم إلى 29.6 % 2011، ويتوقع أن تبلغ العام المقبل 22.2 %.ويقول المحلل الاقتصادي حدوش كحسو: إن إثيوبيا قدمت جهودا عديدة لمحاربة الفقر، وهذه من الأمور غير المتوقعة في دولة كان الفقر فيها أكثر من 50 % والآن هناك تفاعل وتجارب حققت نجاحات كبيرة كتوفير فرص العمل للشباب وتجميعهم في مؤسسات يقودنها بنفسهم ويقدمون خدمات للمجتمع مثل الزراعة والتصنيع والأعمال اليدوية وهنالك خطة من الحكومة في تقديم تدريبات مختلفة للشباب لمواكبة الخبرات الخارجية والاستفادة من بعض تجارب الدول، خاصة في مجال رصف الطرق بالحجارة وتشكيلها على أشكال هندسية واستخراج الذهب في بعض المناطق وقطع ومعالجة الغابات لتوسيع الرقع الزراعية مما جعل إثيوبيا تسجل نموا مطردا ومتسارعا وصل لـ 9.4.

سفينة التنمية

ويقول الإعلامي السوداني المقيم في إثيوبيا حالي يحيى: ظلت إثيوبيا منذ تولي الجبهة الثورية الحاكمة مقاليد السلطة في أديس أبابا، تعمل وفق استراتيجية اقتصادية زراعية تنموية واضحة وبذلت مساعي حثيثة عبر تسخير مواردها المحلية واستغلال الدعم الخارجي بصورة مقننة وفق خطط قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، وساعدها على ذلك عبقرية وعلو همة الراحل ملس زيناوي الذي يعدّ المفكر السياسي والاقتصادي الماهر الذي قاد سفينة التنمية في إثيوبيا التي عانت من حروب ومجاعات على مدى أكثر من 50 عاما.
وأضاف: أولى هذه السياسات تعزيز استراتيجية الحكم الرشيد وإنشاء مؤسسة معنية بمراقبة موارد الدولة ومجالات تخصيصها في المشاريع التنموية المختلفة، إضافة إلى إنشاء وحدات صغيرة تقوم برفع شكاوى ضد كل من يستغل منصبه أو يقوم باستغلال موارد الدولة لمنافع شخصية.
وتابع: يمكن القول إن إثيوبيا اتبعت سياسة اقتصادية حرة في بعض الجوانب بينما أصدرت قوانين صارمة ضد من يستغل التجارة الحرة في احتكار السلع الضرورية مثل السكر والزيت والحبوب الزراعية.
إثيوبيا‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬تاريخها‭ ‬نقلت‭ ‬شعبا‭ ‬كان‭ ‬معزولا‭ ‬عن‭ ‬العالم‭ ‬ولا‭ ‬يعرف‭ ‬إلا‭ ‬بالفقر‭ ‬والمجاعة‭ ‬واستطاعت‭ ‬الحكومة‭ ‬أن‭ ‬تضعه‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬عشرين‭ ‬دولة‭ ‬نامية.


مشاريع تنموية للخروج من الفقر

قدمت إثيوبيا مشاريع تنموية متقدمة منها مشاريع لتوليد الطاقة الكهربائية لتعويض المصروفات التي تصرف سنويا للمواد البترولية، خصوصا مع صعوبة استخراج البترول في ظل الكثافة السكانية العالية والمتزايدة، فخرجت إثيوبيا بمشاريع مثل “قلقل قيبي 1” و”قيبي 2” و”قيبي 3”، و”سد تكزي” و”سد تانا بلس”، وهناك مشاريع آتية مثل “قلقل قيبي 4” و”قيبي 5” إضافة إلى سد النهضة الضخم.
وكل هذه المشاريع وضعت ضمن الخطة الخمسية للنمو والتحول النوعي التي يتوقع أن تنجز خلال عامين، وستنتج 10 آلاف ميجاوط من الطاقة، وهي طاقة ستسد الاحتياجات المحلية وتصدر الفائض إلى الدول المجاورة وتوفر فرص عمل لأعداد كبيرة من الخريجين والمواطنين.
ويقول الخبير الاقتصادي دانئيل اسفا: للخروج من الفقر لا نملك سوى استغلال المياه المتوفرة لدينا والأراضي الزراعية، ورغم كثرة المياه في بلادنا إلا أننا كنا نعتمد على الزراعة المطرية والآن نستطيع أن نستغل كل الموارد المائية المتوفرة لدينا لتوليد الطاقة والمشاريع الزراعية.
ويشير الناطق باسم وزارة الخارجية السفير دينا مفتي إلى أن مشروع سد النهضة هو مشروع إقليمي تبنيه إثيوبيا لتعم الفائدة جميع دول المنطقة ونحن نسعى لتنمية البلاد من خلال مشاريع التنمية التي وضعتها الحكومة.
 وهناك مشاريع أخرى قامت بها البلاد مثل مشروع قطار المدينة أديس أبابا الذي يعمل بالطاقة الكهربائية ومشروع قطار أديس أببا جيبوتي الذي يربط إثيوبيا بالموانئ الجيبوتية وفك عزلتها من الحبس وبعدها عن الموانئ لتوفير موانئ للاستيراد وتصدير منتجاتها للخارج وأغلب المشاريع بقروض دولية نسبة لضعف الموارد المحلية.
وكذلك تعدّ إثيوبيا الآن من أكثر الدول التي بها قوانين استثمار سهلة للأجانب، واستطاعت أن تجذب رؤوس الأموال الأجنبية وبيوتات الخبرات العالمية في ظل التسهيلات التي تقدمها الحكومة بالإضافة لتوفير الأيدي العاملة الرخيصة والأراضي الزراعية والبيئة الصالحة للزراعة وخاصة بعض المحاصيل النقدية الشيء الذي نجحت بموجبه في توفير فرص عمل لأعداد كبيرة من المواطنين مما ساهم في تطوير دخل المواطن الإثيوبي.