الانهيار المتتالي للمدن بمحافظات الشمال العراقي نينوى وكركوك وصلاح الدين، أمام زحف مقاتلي التنظيم الإرهابي داعش، يفجر تساؤلات حول أسباب هذا الانهيار ومن المستفيد. هروب قيادات الجيش والأجهزة الأمنية في الموصل وبيجي، وإلى حد ما في كركوك، يعيد سيناريو انهيار المنظومة الأمنية بالعراق ليلة سقوط بغداد في قبضة القوات الأمريكية 2003. تشابه السيناريو، مع اختلاف حجم العدو، يدل على ضعف النظام السياسي، وهشاشة مكوناته. ظاهرة داعش وامتداد نفوذها في وسط العراق الرخو، تعيد للأذهان الخطة الأمريكية التي كانت مقررة 2003 بتقسيم العراق إلى ثلاث دويلات، كردية في الشمال، وسنية في الوسط، وشيعية في الجنوب. تراكم سلبيات حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي خلال السنوات الثماني الماضية، التي تبلورت في سياسيات الإقصاء والتهميش للقوى السياسية خاصة السنية، كانت الشرارة التي فجرت هذا الوضع الدامي في المشهد العراقي. المالكي المتمسك بالسلطة يسعى الآن إلى فرض حالة الطوارئ في البلاد بدعوى تجييش القوى المدنية للدفاع عن التراب العراقي أمام الغزو الخارجي المتمثل في الجماعات الإرهابية المسلحة. سعي المالكي، بمثابة دعوة حق يراد بها باطل، لأنه يهدف إلى إحكام قبضته على السلطة بقوانين عرفية تعزز سيطرته على الحكم، وتلغي جميع الاستحقاقات الانتخابية بعدما أصبح من الصعب أن يتولى فترة رئاسية ثالثة، في ظل الوضع الأمني المتدهور، وتصاعد الغضب السياسي والشعبي لحكومته ورموز السلطة.
مقاتلو داعش ليسوا رجال فضاء خارقين يصعب دحرهم، ولكن قوتهم الحقيقية في ضعف الحكم المركزي في العراق، الذي فشل طوال الأشهر الستة الماضية في طرد العناصر المسلحة التي تسيطر على الفلوجة بمحافظة الأنبار. فإذا كان المالكي المستفيد الأول من تردي الوضع في العراق، فمن المستفيد الأكبر؟. بوصلة التساؤل تتأرجح بين قم وواشنطن، فإيران كانت ولا تزال اللاعب الرئيس في الساحة العراقية لتحقيق أهداف إقليمية ودولية تساوم بها الغرب لانتزاع اعتراف دولي بدورها الإقليمي في المنطقة. وفي غرب الأطلسي تميل الإدارة الأمريكية إلى ترسيم حدود جديدة لخريطة الشرق الأوسط، وفقا لنظرية الفوضى الخلاقة، تحقق لها مزيدا من الهيمنة على الثروات الطبيعية، وتمنح إسرائيل قوة ردع هائلة في محيطها الإقليمي بعد تقزيم دوله. لن يهدأ الوضع في العراق إلا بتعاون مخلص بين القوى السياسية، بعيدا عن الأجندات الخارجية.
داعش.. مخطط لتقسيم العراق
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
