موضوع يبعث على الحيرة والخلاف عند كثير ممن حاولوا التفكر في حيثياته، ودراستها، وإيجاد الأجوبة المقنعة عنها.
حيرة بعمق العصور وتنوع البيئات والثقافات، فلم نعرف يوماً حدودا ثابتة للجمال البشري المتفق عليه، فما هو موجود بيننا يختلف من مجتمع لمجتمع، ومن بيئة لبيئة، ومن زمن لآخر.
هل لون البشرة هو مقياس الجمال؟. كثافة ولون الشعر؟. الطول أو القصر؟. الحجم؟. انحناءات العظام؟. هل الملامح؟. هل هي الروح كما يؤكد البعض، مع أن الروح والصفات الأخلاقية مجازية لا تمثل بذاتها مقاييس محددة للجمال، ولكنها قد تُحسن بالكيف تلك المزايا أو تجعلها أكثر تردياً حسب المزاج الشائع حينها.
الأمر محير، فكان العرب في الجاهلية يرون غاية الحسن في المرأة السمينة، وخصوصاً من تكون أردافها ضخمة تضطرها لمشي (الْهُوَيْنَا)، بينما أصبح مزاج أحفاد نفس الأمة بعد عصور طويلة يميل إلى من تكون أقرب للجلد على العظم، مما يستدعي عمليات تسمين قصري، أو تجويع وحرمان وحمية حسب المطلوب.
بعض قبائل أواسط أفريقيا يرون الجمال في السواد الداكن الأقرب للأزرق الكحلي، بينما يرى الأوروبي القديم أن الشقرة والبياض الفاقع هي جوهر أصالة الجمال، والبعض منا ينتقي الأصهب.
في الأدغال يتمثل جمال المرأة في طول العنق لدرجة إجبار الطفلة على حبس عنقها وسط حلقات متعددة من المعدن تساعد على استطالته، وقد يتم شق الشفتين ووضع قطع من الجلد المشدود المستدير بين شقيها لتغدو الشفة طويلة مستديرة بشكل يجعل من لم يعتد رؤيتها يتقزز، ولو أن كثيرا من نساء عصرنا الحالي على محيط الأرض قد تأثرن بذلك فنفخوا الشفتين بكل وسيلة ممكنة، وجعلوها حمراء كالكرز مهما كانت مناقضة لذلك اللون. البعض يرى العين الواسعة جميلة، والبعض يستحسن الصغيرة، وربما الكثة رموشها، أو الملتصقة أجفانها فلا يُرى لها حدقة!.
في التراث الياباني والصيني، تكون الأقدام الأصغر هي الأجمل للنساء، حتى ولو تسبب ذلك في تحويرها بالقوة بارتداء قوالب صلبة تجعل من القدم ما يشبه الحافر. آذان النساء وأنوفهن تُخرم وتُقطع بأشكال عديدة، وتُعلق فيها الحلقات والزينات، وشعر الرأس الأشقر يختلف عن الأسود، والغزير مرة والخفيف أخرى، والطويل مرة والقصير مرات، والناعم حين، والكث المتداخل المعقود الأكرت (المفلفل) مرات. وشعر الجسد والوجه والحواجب يترك عند بعض الشعوب أو يزال بطرق وأشكال قد تكون مستنكرة وقاسية في مجتمعات أخرى.
محيط الخصر يدخل في التقييم، فيعمد البعض لربطه بمشدات تضيق مع الزمن، حتى يكاد أن يلتصق جلد البطن بالظهر. ومقاس الصدر والأرداف ذات دلالة، فتجد من تهرع من النساء لزراعتها بالسليكون، إمعانا في التوصل للمقياس الوهمي، والذي لا يلبث أن يتبدل.
المخطوطات القديمة، والتماثيل، والصور المنحوتة والمنقوشة لا تعطينا ثباتاً على نوع معين من الجمال. كل تراث يحكي بما وجد فيه، وحسب عصره، ولكن الاتفاق على المقاييس لم يكن ثابتاً في مختلف الثقافات.
فعلى ماذا بنيت مقاييس جمال أمنا حواء؟. وهل كانت كيلوباترا جميلة، رغم أن تمثال وجهها لا يدل على ذلك على الأقل من وجهة نظر خبراء الجمال في عصرنا؟.
هل كانت جداتنا بنفس مقاييس الجمال، التي تبحث عنها بناتنا؟ وما مدى قدرة الدعاية الاجتماعية أو الخارجية على نفسية البنت، التي لا تدري من ترضي، ولا تعرف كيف تكون محط الاهتمام؟!.
هل من السهل فصل ابنة عصرنا عن محيطها؟. البعض من بناتنا لا يزلن يبحثن عن مقاييس الجاهلية، والبعض أغرتهن مقاييس هوليوود، والبعض لم يعدن يدرين كيف يكون شعور الآخرين، وهل سيستمر، أم إنه سيضطرهن لاحقاً لتغييرات جذرية، ومن ثم لإزالة آثارها بعد حين؟.
ترى كيف كان جمال زوجة حمورابي، وكيف كانت زوجة عباس بن فرناس قبل قفزته؟!. وكيف كانت زوجة هولاكو التتري!؟.
ولو عرفنا فهل سنصل لقناعة بكنه الجمال الأصيل المفقود أم أننا سنختلف مجدداً؟.