وجد الاتصال الإنساني منذ بدء الخليقة، وتعددت وسائل الاتصال وتنوعت حتى وصل الإنسان إلى استخدام اللغة التي هي إحدى الوسائل الحضارية للتواصل. ومن عجائب قدرة الله سبحانه وتعالى أن أصبح هناك مئات الآلاف من اللغات على كوكب الأرض، فهي الأداة التي حفظت للحضارات الإنسانية علومها وآدابها وصانت تاريخها من الاندثار.
وتستخدم اللغة في التعبير عما بداخل الإنسان من مشاعر ورغبات وآراء وأفكار، وهي أكثر الوسائل دلالة على ثقافته، حيث إن لكل مجتمع لغته الخاصة التي تعبر عن حضارته ورقيه، كما أن استخدام الألفاظ في اللغة الواحدة واختيار المصطلحات الملائمة للموقف وحسن انتقاء المفردات المهذبة في التعامل لها أثر كبير على المتلقي وتكوين علاقات إيجابية معه. بل إن حسن مناداة الناس ممن هم في منزلة علمية أو مكانة اجتماعية أعلى أو أكبر سناً ليدل على الذوق الرفيع في التعامل، بل من الأدب أن تنادي السيدة بأم فلان أو الرجل بأبي فلان، وهذه من القيم الإسلامية في التأدب مع الآخرين والتي - وللأسف - أصبح يتجاهلها الكثيرون، بل أصبح البعض يستخدم ألفاظا سوقية وكلمات مبتذلة تكشف عن سوأة شخصياتهم وعيوب أفكارهم، فما يتلفظ به الإنسان هو تعبير عن شخصيته.
وإذا كانت لغة أهل البادية تختلف عن لغة أهل المدن حتى في أساليبهم في الحديث فذلك لأن الفوارق الحضارية تختلف من مجتمع لآخر، ولكن مع ذلك فإنهم وما يملكون من قيم وأخلاق تجدها تنعكس في أحاديثهم وسلوكياتهم وتعاملاتهم. ولذلك نجد أن عبارة «عيوب الجسم يسترها متر قماش، وعيوب الفكر يكشفها أول نقاش» لهي عبارة صحيحة لأن اللغة تكشف عن كوامن شخصية الإنسان وفكره فما يستخدمه من ألفاظ ومصطلحات تدل على ثقافته ومستوى تفكيره.
وتأتي لغة الجسد كوسيلة أخرى للتواصل لتكشف لنا عن شخصية الإنسان وهي أقوى أثراً من اللغة اللفظية، وتمثل أكثر من 60% من التواصل الإنساني، وقد أصبحت هذه اللغة تدرس كعلم من العلوم لمعرفة جوانب متعددة من شخصية الإنسان وتستخدم في»علم الجنايات» بصفة خاصة عند التحقيق مع شخص متهم مثلاً، فكل إشارة تصدر منه وكل حركة من عينيه أو يديه لها دلالات معينة تشير إلى بواعث داخلية ومؤثرات لمدى تورطه في الجريمة المرتكبة - حتى وإن تلفظ بأشياء مختلفة، بل إن لغة الجسد أصبحت علما يدرس للقادة والسياسيين فهذا «أوباما» يخضع في كل مرة يلقي خطاباً إلى تدريبات مكثفة في استخدام كل حركة وكل تعبير للوجه أو إيماءات، حتى تكون كلماته مؤثرة في الرأي العام ومحققة لأهداف استراتيجية كبيرة ترغب المؤسسة الحكومية في تطبيقها.
كما يلعب المظهر الخارجي واللباس دوراً كبيراً في لغة الجسد، فما يرتديه الإنسان من ملابس يعكس انطباعات هامة لدى المتلقي، مما جعل خبراء الاتصال ينصحون بارتداء الملابس المناسبة في المقابلات الشخصية حسب نوع الوظيفة والمهنة التي يتقدم بها الفرد.
واللياقة في اللباس حسب المكان والمناسبة - للأسف - لا زالت غائبة عن عقول ومفاهيم الكثيرين منا - وخاصة النساء - فترى الواحدة تقدم لمحفل علمي أو أدبي أو ثقافي وهي ترتدي ملابس سهرة، وتضع كل أنواع المساحيق والأصباغ على وجهها مما يدل على استهتار بالمكانة لهذه الصروح التي يفترض أن يأتي إليها طالب العلم أو الثقافة وهو أكثر وقاراً - تأدباً واحتراماً لها - ولكن للأسف حينما اختفت «ثقافة العيب» التي تربى عليها الجيل السابق، وظهرت ثقافة «الحرية الشخصية» التي أصبحت
لا تحترم المفاهيم والقيم الأخلاقية والاجتماعية في المجتمع المسلم، ظهرت مشكلات شتى.
ومن أنواع التواصل الإنساني المهمة، التواصل البصري وهي مهمة جداً في إعطاء الاهتمام بالشخص الآخر والانتباه بدقة لكل ما يقوله تقديراً له حتى ولو كان طفلاً، ومع ذلك فإن القيم الاجتماعية تختلف من مجتمع لآخر، ففي ثقافتنا الإسلامية مثلاً خفض البصر إنما يكون حياء وتأدباً، وعدم النظر في عيون من هم أكبر منا سناً وعلماً ومكانةً احتراماً وتقديراً لهم وخاصة الوالدين فهي من خفض جناح الذل لهما، ولكننا وللأسف نرى تلاشي لهذه القيم فهناك من يرمق والديه أو معلمه بنظرة استعلاء أو استهزاء وغيرها.
ومن لغة الجسد التي يقوم بدراستها الخبراء حركات الأيدي، وفي المقابلات العالمية ترى الكاميرا مسلطة على يدي المتحدث لأن كل حركة لها دلالة معينة فمثلاً الشخص الذي يشبك يديه بحيث يكون الإبهامان متلاصقين فهو يعني أن المتحدث عقلاني وكريم ومثقف يستطيع التأقلم مع الظروف العامة، أما الشخص الذي يبقى مكتوف الأيدي ( في المقابلة ) فهو شخص يحمي نفسه من تأثير الآخرين عليه أو إنها إشارة على أنه متحفظ وغير مرتاح لما يطرح له، وهكذا أصبح مظهر الإنسان هو لغته التي تدل عليه أيضاً.
بقي أن نقول إن هناك لغة عالمية واحدة تفهمها جميع شعوب الأرض وهي لغة البكاء وتعني الألم والحزن بينما الضحك أو الابتسام تعني الفرح والسرور، فهل فهمنا قصص شعوب العالم؟