إن الثقافة ككل منظومة حية تعرف تطورات وطفرات نوعية في الوضع والوظائف، إذ إنها في أزمنتنا هاته أمست أكثر فأكثر حقلا للاستثمار في التنمية البشرية وقطاعا للإسهام في خلق مناصب الشغل والتقدم الاقتصادي والاجتماعي، وبالتالي فقد ولى زمن اعتبارها نشاطا ثالثيا غير منتج أو ترفا لتزجية فترات الفراغ و»قتل الوقت».
وإذا كانت صيرورة الثقافة كذلك، أي تحولها إلى التنمية ومراميها، فإن وظائف إضافية جديدة أخذت تُناط بها وتُسأل عنها، وكلها ذات طبيعة تحليلية ونقدية، منها مثلا
لا حصرا:
- صيانة الذاكرة النافعة والمخيلة المبدعة وإنعاشهما؛/ - الإسهام في بناء مجتمع المعرفة وتقوية أساسياته - نقد تجاوزات العولمة السائبة والرأسمالية المالية الافتراضية القائمتين على التحلل من الواقع وتجاهله ومعاداة مصالح الناس وحقوقهم - تمكين منظومات التسيير والتدبير من وسائل التثقيف والعقلنة والتيسير - رصد مكامن سلوكات الغلو والتعصب والعنف وعلل تكونها واعتمالها، وذلك بغية مغالبتها وتخليص المجتمع والناشئة من تمظهراتها ومخاطرها - الارتقاء بالوعي الفردي والجماعي إلى التشبع بقيم الجمال والخير والحقيقة وبمبادئ المواطنة البناءة والحرية المسؤولة والتضامن الموحد - الحاجة إذن إلى الثقافة يسوغها وجوب التحرر من كل عنف وكل غلو متولدين عن الغباوة والعبوديات المفروضة أو المستبطنة - واجب التثقف يمليه أيضا السعي إلى حياة أفضل وأجمل مخلصة من مسلكيات تبخيس الذات أو الضجر منها، وهما عنصران مرضيان يفسدان النوابض الإبداعية ويسيئان إلى مواقف التفاؤل والإرادية.
الثقافة بكلمات جامعة، هي معيار التقدم ورافعة للتنمية البشرية، حيث الغايات المتوخاة هي التنافسية المبتكرة، وترقية الأذواق واللغات وحياة اليسر للأفراد والجماعات. وهنا تكمن الأفعال القوية لربح رهان التطور النوعي والانتفاع بخيرات المدنية والحداثة وخدماتها، أي رهان الثقافة.