أدرك الإنسان العربي مدى ما كان يمارس عليه من تسطيح قسري للمفاهيم السياسية والثقافية منذ بداية أول ثورة عربية في تونس عام 2011م، حيث حاول الإعلام وأباطرته، بكل ما أوتوا من دهاء ومكر سياسي وإعلامي، تأسيس مفاهيم جديدة لدى المتلقي العربي، والتي لم تستطع الصمود طويلا أمام الانفتاح العالمي للثقافة والمعرفة والتحرر من سلطة الصوت الأوحد، وأعطت لنا مؤشرا لمستوى الوعي العربي العام، فكما قال كارل ماركس: كل الثورات أثبتت شيئاً واحداً حتى الآن، ألا وهو أن كل شيء يتغير إلا الإنسان.
(الربيع العربي) لم يكن ربيعا أصلا من بدايته! فكان هذا المفهوم خيالا يراود الفضائيات العربية المعارضة والأحزاب السياسية الحالمة بالسلطة والمبشرة بمستقبل ربيعي غامض، فما كان ذاك الربيع إلاّ (شتاتا) فرّق المجتمعات والشعوب وأسس للصراع والتناحر وجريان الدماء وهتك كرامة الإنسان، ولم نجد منه سوى التخريب والهدم والدمار، ولم نجن منه سوى القهر والذل، واللعب على أوتار المبشرات المستقبلية والتي لم ولن تأتي.
(ثورة عربية حديثة) عندما فشلت في حراكها السلمي نحو الربيع ضربت على وتر (الجهاد) واستعطاف الشعوب بهذه النغمة البكائية الحزينة، والتي لم يجد ضعفاء الفكر والدين أنفسهم إلاّ في ساحات الجهاد المزعوم، وإذا بهم يتقاتلون بينهم على (السلطة والخلافة)! وصدق جيفارا حينما قال (الثورة يصنعها الشرفاء، ويرثها ويستغلها الأوغاد)، فذهبت هيبة الثورة وهيبة الجهاد بصراعات داخلية أثبتت أن (لا ربيع) مزعوما يرجى من أولئك المتقاتلين.
(ثورة أخرى على الثورة) كشفت المستور من مدّعي الفكر والثقافة، تهاوت خلالها نداءات الحرية والعدالة عند الليبرالية.
أثبتت الثورات تباين مفهوم (الديمقراطية) في البلاد العربية عنه في البلاد الغربية أو الشرقية، وكأننا نطلب التميّز العربي دوما حتى في المفاهيم السياسية الدولية، وإلاّ فكيف تنعم شعوب العالم بديمقراطية تراعي حق الفرد وحريّته في الاختيار والتزام الحكومات والأنظمة بتطبيق آلياتها وأدبياتها كما هي؛ وعندنا، للأسف، لا نرى إلاّ صورة شوهاء لنظام يراعي مصالح طبقة عليا على مصلحة الشعب العامة.
من أجمل المفاهيم التي أنتجتها الثورات العربية بأنه (لا ربيع مزعوما)، وأن هناك فرقا كبيرا بين (الإصلاح) و(الثورة)، فالكل يؤدي إلى التغيير، ولكن التغيير السلمي الذي يحفظ للإنسان كرامته ويحفظ للأرض استقرارها هو المطلوب. فالثورة السلمية ليست مستحيلة إلاّ عند من يجعلون الثورة العنيفة حتمية، وإصلاح الخطوة خطوة يبدأ من الداخل وبخطوات تراعي الأمن والسلم المجتمعي وتعمل جنبا إلى جنب مع صانع القرار لتحقيق المصلحة العامة.. اللهم احفظ أمننا واستقرارنا.
شتات الربيع العربي
محمد الحمزة2 دقائق للقراءة

حجم الخط
